الأحد، 4 نوفمبر 2012

اسس وركائز الديمقراطيه



  ألف باء الديمقراطية  أسس وركائز وتطبيق الديمقراطية

  ألف باء الديمقراطية
أسس وركائز وتطبيق الديمقراطية
نويل مبيض / أستاذ في الفلسفة السياسية / مونريال- كيبيك- كندا

أسس وركائز وتطبيق الديمقراطية

مقدمة

"الحكومات الاستبدادية تحمل في ذاتها خميرة زوالها"
ريمون بولان: رئيس سابق لجامعة السوريون- باريس

يتخبط العالم العربي في مستنقع من المفاهيم  والسلوكيات التي لا يمكن أن تساعد على ولادة  أي نوع معقول من الديمقراطية.  من هذه المفاهيم : القوة تصنع الشرعية، الدين هو الحل،  الدين أساس التشريع، حكم الفقيه، سلطة أهل الحل والعقد، طاعة ولي الأمر خشية الفتنة، العصبية الدينية والقبلية والشعوبية، الرئيس أو الملك أو الأمير الملهم، الأنظمة غير الشرعية التي تكتسب شرعيتها مع التقادم ، رئاسة الدولة حتى الموت، توريث الحكم، الشورى مكان الديمقراطية، رفض الحوار, رفض اختلاف الرأي، الرضوخ للواقع كقدر، الاتكال على الله لحل مشاكلنا...

يعيش هذا العالم تحت نير كثير من الديكتاتوريات السياسية أو الدينية أو الاثنتين معا. لا يعرف كيف الخروج من عالم الظلمات إلى عالم الحريات وعلى أي أساس يجب بناء الدولة الحديثة والمجتمع العادل واحترام حقوق المواطنين. وضعنا اليوم أسوء مما كنا عليه سابقا. اليوم نشاهد هجمة مخططة من الرجعية والأصولية الدينية لكسب الشارع العربي والوصول إلى الحكم لوضع حكومات هدفها ديكتاتورية دينية  تمنع الناس من التفكير والتصرف الحر في حياتهم الخاصة والعامّة ووضعهم في قوالب مبرمجة  لا سبيل للنقد فيها. الشارع العربي اليوم، تشده الأفكار الأصولية الدينية، هذه التيّارات  الإسلامية ليس لها برنامج سياسي معقول وواضح يمكن أن يطوّر الدولة الحديثة ويوسع  هامش حريّات المواطنين  ولتتعامل بشكل مسالم مع العالم الحديث. هذه التيّارات الإسلامية تأخذنا إلى متاهة التاريخ، تقدم لنا الماضي كأنه ذروة الحضارة، فيه العلم والمعرفة والعدل...  ويحمل بشكل سحري كل الحلول لعالمنا الجديد. لقد وضعوا ثوب القدسية على هذا الماضي من الناحية الدينية والثقافية وحتى السياسية وأقفلوا عقول الناس لكي لا تفكر وتجتهد لأن عصر الاجتهاد لا حاجة له. لقد قال وطبق الأسلاف كل ما يلزم. يكفي الأخذ به لنكون "خير أمّة".

تتدخل الحكومات العربية غير الديمقراطية في كل مستويات حياة شعوبها: توجه السياسة والاقتصاد والتعليم والفنون. وتجعل من الدين أداة دعاية لها. لقد حجمت هذه الحكومات التعسفية إرادة الجماهير وجعلت منهم قطعانا يمكن تحريكها بسهولة أكبر. أبعدت الحكومات شعوبها عن المساهمة الفعّالة  في السياسية منذ أجيال كثيرة. "فبركت " أجيالا من المسيرين المطيعين لتقديس حكامها والرضوخ لهم دون أي مساءلة.

عدم ممارسة الديمقراطية أوجد فراغا هائلا في ثقافة المواطن العربي. هناك "أميّة سياسية" في عقل المواطن. تداول السلطة  وتشكيل أحزاب سياسية مدنية يعتبر في مفهوم سلاطين البلد خروج وتحدي لعبقرية الحاكم. حرية التعبير ونقد الحاكم، كل هذا غير متداول في ممالك العرب.

المجتمع العربي المعاصر هو جزء من العالم الحديث فمن الضروري لتقدمه أن يشاركه قيمه وتطلعاته وهمومه. فموضوع الحرية وحقوق الإنسان والديمقراطية هي تراث البشرية جمعاء. أي حديث عن "خصوصيات" عربية  في هذه المجالات الحيوية تبدو حججا واهية، الهدف منه كما تظهر الوقائع، هو تبرير سلوك الحكام ضد المواطنين، بالسيطرة على مصيرهم وعدم إشراكهم فيما يخصهم من حقوق سياسية واجتماعية والإبقاء على مصالح هذه الطبقات الحاكمة وأعوانهم الذين ينهبون خيرات البلاد.

رد فعل الرجعية العربية في السياسة وفي الدين، الرافض لأي رجوع للديمقراطية بحجة أنها "مفهوم غربي"، هو موقف غير معقول، لأنه ينفي عن العرب إمكانية مشاركتهم بالتجربة الإنسانية  ويفصلهم عنها وكأن العرب  يعيشون في عالم مغلق.

الديمقراطية المطبقة في كثير من الدول برهنت على أنها أفضل من غيرها من الأنظمة الموجودة من حيث احترام حقوق المواطن والتقدم الحضاري وإفساح المجال أمام المواطن لتحقيق ذاته وبناء بلده.

منذ 1970إلى 2008 ارتفع عدد البلاد الديمقراطية من 44 دولة إلى 89، حيث حقوق الإنسان مصونة وحيث توجد تعددية حزبية.
أما الدول غير الديمقراطية فتحولت من 69  الى 42
وتزايد عدد البلدان التي فيها شيء من الحرية من 42 إلى 62.
رغم هذا التقدم تبين أن 46%  فقط من سكان العالم يعيشون في بلاد ديمقراطية، ومنذ 10 سنوات ظهر ركود إن لم يكن تقهقر في ميدان حريات الصحافة والمنظمات غير الحكومية والمؤسسات المدنية في أكثر من 30 دولة. الثورات العربية في 2011  مؤشر ايجابي "قد" تدخلنا الى العالم المتحضر الديمقراطي.
الهدف من هذه الفصول عن الديمقراطية هو إعطاء فكرة أولية  وواضحة عن هذا المفهوم وعن أسسه وركائزه. فهي تجيب على تساؤلات المواطنين العرب الواعين بأوضاعهم الشاذة نسبة إلى مواطنين في أنظمة ديمقراطية وتظهر القيم الإنسانية التي يمكن للدول تأسيس الحكم عليها لتتجاوب مع متطلبات الشعوب العربية الحاضرة والمستقبلية. طرح المواضيع فيها سهل الفهم ومتماسك فهناك علاقة عضوية بين فصل وآخر؛ علاقة توضيح أو تتمة. هذه الفصول المختصرة موجهة إلى عامة المواطنين العرب, خاصة إلى الشبيبة التي لم تعش في أجواء وثقافة وسياسة ديمقراطية سليمة. هذه الفصول المبسطة ليست حلولا جاهزة  للعيش في الديمقراطية وفهم السياسية ومداخلاتها الكثيرة. ما يراد هنا هو محاولة ومساهمة في التحول المرجو إلى الديمقراطية في البلاد العربية.

ستبدأ الشعوب العربية تعلم الديمقراطية من بداياتها. فالطريق طويل ولكنه يستحق المجازفة لتخطي "ثقافة" الخوف والرضوخ الأعمى للسلطان من كبيرهم إلى صغيرهم، للدخول في عالم أكثر تحررا، في عالم حقوق المواطن لجعل الشعب مصدر السلطة.هذا التحول سيكون شاقا وصعبا يحتاج إلى عدة أجيال ليتكيف المواطنون مع الثقافة والسلوك الديمقراطي بعقلية منفتحة ونقدية. المسيرة طويلة في درب الديمقراطية سوف تحمل  غالبا الكثير من النكسات بسبب المقاومة الشرسة التي سيأتيها  من الحكام الحاليين وأصحاب المصالح الاقتصادية والمالية ومن رجال الدين ومن الأحزاب  الدينية المستفيدين من هذه الأوضاع.  ونكسات  ستأتي من العقليات والأجواء  الموروثة ذات الجذور الموغلة في القدم. ونكسات  أخرى يمكن أن تأتي من التسرع في تطبيق  كل أبعاد الديمقراطية بشكل آلي دون تحضير منهجي وبعيد المدى وغير مصاحب لمستوى التطور الثقافي السياسي للمواطنين .

الديمقراطية هي الطريق الوحيد للدخول في الحداثة ولنصبح أمة متحضرة، لشعوبها الحق في تحديد شرعية الحكم وتقرير مصيرها.
1
تعريف وخصائص ومميزات الديمقراطية

ل سعود والإخوان ” دور العائلة السعودية فى قيام اسرائيل



22‏/06‏/2012

أل سعود والإخوان ” دور العائلة السعودية فى قيام اسرائيل

وكان الحل هو البحث عن أداة لتنفيذ هذا المخطط. هذه الأداة كانت عبد العزيز آل سعود رجل كل المناسبات والذي يقبل القيام بأي دور في مقابل استعادة عرش أجداده، واختياره لم يأت من فراغ فهناك علاقة بين بريطانيا وتلك الأسرة والتي علا نجمها وبدأت في الظهور كقوة منذ عام 1745، وهو العالم الذي سببت آراء الشيخ محمد بن عبد الوهاب إزعاجا للعلماء والمشايخ في منطقة العينية بالجزيرة العربية لمهاجمته البدع والخرافات التي أصبحت في حكم العبادات بل إنه أمر بهدم الأضرحة والقبور التي أصبحت بالنسبة للكثيرين في حكم العبادات وهاجم العلماء. الأمر الذي اعتبره العلماء والمشايخ بداية لفقدان مكانتهم الاجتماعية، وخوفاً على وضعهم طالبوا عثمان بن معمر حاكم العينية بطرده لانتشار آرائه وحركته لدرجة تهديد حاكم الإحساء بوقف المعونة المالية عن حاكم العينية، وأمام هذا الضغط اضطر عثمان بن معمر إلى طرد محمد بن عبد الوهاب والذي لم يجد مكاناً يلجأ إليه سوى الدرعية مسقط رأس آل سعود، وعندما وصل إلى الدرعية زاره محمد بن سعود واشترط عليه عدم مغادرة الدرعية وعدم معارضته في فرض ضرائب مقابل السماح له بالإقامة. وقد وافق ابن عبد الوهاب على الأولى ولم يعط إجابة في الثانية. ومنذ ذلك التاريخ وجد كل من الطرفين ضالته المنشودة، فالشيخ أصبح له مكان مستقر يساعده في نشر دعوته وآل سعود وجدوا فيه المبرر لتنفيذ أحلامهم السياسية، فالعلاقة بين الحركات السياسية والدينية علاقة تبادلية. فالحركة الدينية تسعى دائما لطلب الحماية في مقابل تقديم المبرر الشرعي في تنفيذ سياساتها. من هذه العلاقة بدأ نجم آل سعود يعلو وبدأ نفوذهم السياسي يمتذ إلى القبائل المجاورة بعد أن اعتنق الكثيرون آراء الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأصبح أعداء الوهابية أعداء الإسلام، وبذلك نجحت الحركة وتحولت إلى أيديولوجية دولة حيث أتاحت لعبد الوهاب الدعم والحماية وقدمت لابن سعود الأيديولوجية والأتباع لتنفيذ أهدافه. ومن هنا بدأ آل سعود في تأسيس أول دولة لهم في عام 1795 عندما تمكنوا من القضاء على دولة بني خالد في منطقة الإحساء. وفي هذا الوقت كانت علاقة بريطانيا بآل سعود علاقة لا تأخذ أي شكل رسمي سواء من ناحية العداء أو السلم فالإنجليز كانوا يتجنبون الصدام مع الوهابيين طالما كان بريدهم الصحراوي يسير في أمان، ولكن هذه العلاقة تدهورت عندما قرر الوهابيون مهاجمة الكويت والتي كانت بريطانيا قد نقلت إليها مقر بريد شركة الهند الشرقية ولكن قبل وصول الوهابيين كان “نايستي” رئيس الوكالة في شركة الهند قد تمكن من إنزال طرادين بريطانيين إلى بر الكويت لرد هذا الهجوم. وأحدث هذا الهجوم خسائر كبيرة للوهابيين وعزموا على مواصلة الهجوم على البريد الإنجليزي وارتفعت حدة العداء وأحس الإنجليز بالخطر عندما اعتنقت قبيلة القواسم التي كانت تحترف أعمال القرصنة في المنطقة العربية العقيدة الوهابية وأصبحت أعمال السلب والقرصنة نوعا من الجهاد بعد أن قرر زعيم القواسم تأدية خُمس الغنيمة إلى الحاكم الوهابي “آل سعود”، ومع مرور الأيام أصبحت مهاجمة القواسم للسفن في منطقة الخليج لا تهدد انجلترا فحسب بل أصبحت تهدد أيضاً الخليفة العثماني والذي كان خادما للحرمين ومثل هذه الأمور تقلل من مكانته وسط المسلمين.

الأمر الذي دفع الخليفة العثماني إلى تكليف الوالي “محمد علي” حاكم مصر للقيام بحملة تأديبية للقضاء على الوهابية وعندما بدأت قوات محمد علي في التحرك ناحية الجزيرة هرع الأمير سعود بن عبد العزيز إلى المفوض البريطاني في منطقة بوشهر ليخبره أنه منع أتباعه من مهاجمة سفن بريطانيا، ولكن بريطانيا رفضت أن تبرم معه أية معاهدات بعد أن لاحظت أن قوات محمد علي في طريقها إلى سحق الوهابيين وقبل وصول قوات محمد علي إلى معقل آل سعود كان سعود بن عبد العزيز قد توفى وخلفه ابنه عبد الله. وفي عام 1814 وصلت قوات محمد علي إلى الدرعية حيث استسلم عبد الله بن سعود إلى قوات إبراهيم باشا حيث تم اقتياده إلى مقر الخلافة العثمانية وأعدم بعد أن شهر به لمدة ثلاثة أيام وبإعدامه انهارت أول دولة لأسرة آل سعود وظهرت الدولة الثانية لآل سعود عقب اتساع نفوذ أسرة محمد علي بعد أن تمكن إبراهيم باشا من توحيد الإمارات العربية بشكل لا يتفق مع مصالح بريطانيا في منطقة الخليج وزاد من خوف بريطانيا على مصالحها رفض المصريين التعامل أو الدخول في اتفاقيات ثنائية مع بريطانيا.

حدث هذا في وقت بدأت بشائر تمرد محمد علي على الخلافة العثمانية تظهر، الأمر الذي دفع بريطانيا إلى تحريك الأسطول البريطاني في مواجهة خورشيد باشا القائد المصري لمنعه من الاستمرار في التقدم وتوحيد الإمارات العربية لدرجة أن بريطانيا توسطت للخليفة العثماني للإفراج عن “تركي” ابن عبد الله بن سعود من السجن المصري في الوقت الذي كانت القوات المصرية قد دمرت الدرعية وتركت إقليم نجد بلا حاكم. الأمر الذي أحدث نوعاً من الفوضى حتّى ظهر رجل يدعى محمد بن معمر استغل هذه الفوضى وأجبر غبوش أغا الحاكم العثماني على تولية منصب “إمارة نجد” وهذا الحكم لم يدم طويلا عقب الإفراج عن تركي بن عبد الله والذي عاد ليؤسس الدولة السعودية الثانية، حيث بدأ في إعداد وتنظيم الفلول الهاربة من الوهابيين حيث تمكن من قتل محمد بن معمر والاستيلاء على الحكم لتقام بذلك الدولة السعودية الثانية. ولكن هذه الدولة لم تدم كثيرا بعدما قرر فيصل ابن تركي الوقوف أمام محاولات خورشيد باشا توسيع النفوذ المصري على منطقة الجزيرة العربية بإيعاز من بريطانيا، والتي قررت دعمه لمنع توسيع النفوذ المصري والذي كان يرى أن ظهور إمارة جديدة لآل سعود سوف يحول دون توسيع النفوذ المصري. وفشلت محاولات خورشيد باشا في إقناع فيصل بن تركي بالوقوف معه ضد الإنجليز ولكن تجربة السجن علمته هو وأسرته أن الالتصاق بدولة قوية هو السبيل الوحيد للاستمرار في الإمارة والحكم ورفض التحالف مع محمد علي.

ويعد فيصل أول حاكم في أسرة آل سعود يستطيع إبرام اتفاق مع بريطانيا لمنع أعمال السلب والنهب كما أنه أول حاكم يستطيع التعهد لبريطانيا بالتوسط بينها وبين الأمراء العرب لإقامة علاقات ودية. لذا فقد أحدث الدعم البريطاني إلى فيصل زيادة العداء بين خورشيد باشا وفيصل، الأمر الذي أدى إلى صدام بينهما انتهى هذا الصدام بموت فيصل وحدوث خلافات حول تولي الإمارة بين ابنيه سعود وعبد الله، والذي انتهى بانهيار الدولة الثانية عام “1885″ ورحيل الأسرة كلها إلى الكويت لتقيم في ضيافة مبارك الصباح.. ومن هناك تبدأ صفحة جديدة من صفحات أسرة آل سعود وهي المرحلة الخاصة بتأسيس الدولة الثالثة وهي الموجودة حتّى الآن.

عقب انهيار الدولة السعودية الثانية لجأت الأسرة بأكملها إلى الكويت في ضيافة حاكمها مبارك الصباح وأصبح حكم نجد كله في يد آل الرشيد. وكانت لمبارك الصباح طموحات في أن يكون له دور في مجريات الأمور والأحداث وأراد أن يوسع نفوذه في منطقة الجزيرة العربية، وكان يرى أن الارتباط ببريطانيا أفضل له من تركيا. لذا فقد قام بمحاولة لمساعدة آل سعود في استعادة حكمهم في نجد، وذلك بإعداد جيش قسم إلى جناحين الأول يقوده مبارك الصباح والثاني يقوده أحد قواده على أن يتولى مبارك الصباح إلهاء ومناوشات آل الرشيد في مقابل قيام قائده الحسيني باحتلال الرياض وتسليمها إلى آل سعود. وفي عام “1901″ تحركت القوات للقضاء على عبد العزيز الرشيد حاكم نجد، وقد فشلت محاولة الهجوم وفرت قوات مبارك الصباح وآل سعود من أمام قوات آل الرشيد وأصبح عرش مبارك الصباح مهددا لولا تدخل بريطانيا في الوقت المناسب وإقامتها حائطا دفاعياً حول حدود الكويت الأمر الذي دفع آل الرشيد إلى التراجع أمام الدفاع البريطاني وسميت هذه المعركة معركة الصريف والتي أضافت إلى آل سعود خبرة ودليلاً على ضرورة الارتباط بدولة عظمى لضمان بقائهم، وقربت ولفتت نظر البريطانيين إلى إمكانية استخدام هذه القبائل للحد من النفوذ التركي والذي بدأ بتولي جمعية الاتحاد والترقي الحكم في تركيا وإعادة اهتمامها بالمناطق التي كانت تابعة لها من الناحية الاسمية. وزاد من أهمية أسرة آل سعود والصباح هو التقارب الشديد بين ألمانيا وتركيا وقيام الألمان بالإعداد لمشروع السكة الحديد لربط الحجاز بالإضافة إلى التقارب بين ألمانيا وروسيا وتسوية الخلافات بينهم، هذا المناخ النفعي دفع بريطانيا دفعا لإعادة أسرة آل سعود إلى حكم الرياض في عام

“1902″ بقيادة عبد الرحمن آل سعود والد عبد العزيز آل سعود.

وكل هذا الدعم البريطاني كان يتم بشكل غير مباشر وعبر مبارك الصباح واستمرت تلك العلاقة تأخذ شكلاً غير مباشر حتّى افتتاح خط سكة حديد الحجاز عام “1908″، وبافتتاح خط السكة الحديد بدأت المخاوف البريطانية تزداد من نمو الوجود الألماني العثماني في منطقة الخليج العربية حتّى جاء عام “1911″ وهو تاريخ الحرب التركية ضد الطليان في طرابلس وحروبها في منطقة البلقان. واستغلت بريطانيا هذه الحرب وشجعت آل سعود ودعمتهم للقيام بالإغارة على منطقة الإحساء لاحتلالها في مايو “1913″ وفرحا بالنصر أرسل ابن سعود في 13 يونية 1913 رسالة إلى بريطانيا جاء فيها: “بالنظر إلى مشاعري الودية تجاهكم أود أن تكون علاقاتي معكم كالعلاقات التي كانت بينكم وبين أسلافي”.

وعقب هذه الرسالة كتب “برسي كوكس” ضابط المخابرات الإنجليزية تقريرا إلى رئاسته جاء فيه: ” إن تجاهل محاولات الأمير عبد العزيز المتكررة سوف تحول نظرته إلى نظرة عدائية تجاه إنجلترا”، وأمام اتساع النفوذ التركي في منطقة الجزيرة العربية والتقارب الألماني التركي وخط السكة الحديد الجديد وتقارير المخابرات البريطانية، كل هذه العوامل مجتمعة دفعت بريطانيا في مارس 1914 إلى توقيع اتفاق بينها وبين الأمير عبد العزيز آل سعود جاء فيه:

1 ـ تقوم بريطانيا بالمحافظة على الخليج ومنع التعدي على الأمير عبد العزيز آل سعود.

2 ـ يعاد النظر في فرص أخرى في مسألة إدخال الأسلحة.

3 ـ يحافظ الأمير عبد العزيز على الرعايا الإنجليز وتجارتهم في الخليج.

وبموجب هذا الاتفاق سلمت بريطانيا بالأمر الواقع وأعلنت أن عبد العزيز آل سعود هو والي نجد وتم منحه لقب باشا وصدر فرمان أن تبقى نجد بالوراثة بين أبناء عبد العزيز وهكذا أصبح لأسرة آل سعود معاهدة واتفاق ومعاهدة حماية بريطانية.

وتاريخ توقيع هذه المعاهدة هو بداية العلاقة المباشرة بين بريطانيا وأسرة آل سعود والتي كانت دائما ومنذ ذلك التاريخ تزداد قوة كلما ساءت العلاقة بين الشريف حسين وبريطانيا.

……………. ………………………..

عندما بدأت الحرب العالمية الأولى تلوح بشائرها في الأفق كانت المصالح العثمانية البريطانية متباينة، وكانت أهمية المنطقة العربية بالنسبة لبريطانيا تفوق أهميتها بالنسبة لتركيا لأن الوطن العربي ومعابره كان البوابة إلى مستعمرات بريطانيا سواء في الهند أو في أفريقيا.

ورغم هذه الأهمية فإن تركيا كانت تسيطر على هذا الوطن فالشام والعراق والخلافة العثمانية بكل مستعمراتها تحت إشراف تركيا.

هذا بالإضافة إلى خوف بريطانيا من إعلان الخليفة العثماني الجهاد في بريطانيا المسيحية، وقتها اهتدى فكر الساسة البريطانيين أن الحل يكمن في ضرورة هزيمة تركيا من الداخل عن طريق إشعال الثورات والفتن داخل منطقة الوطن العربي لإجبار تركيا على إبقاء جيوشها في أماكنها لقمع هذه الثورات.

وقد دار الخلاف بين أجهزة الاستخبارات البريطانية على الشخص الذي يمكن أن يسند إليه دور الزعيم في هذه المنطقة.

على أن يكون دوره مثل دور بابا الفاتيكان يستمد مكانته من حكمه للأماكن المقدسة وقد حسمت التقارير البريطانية الخلاف حول شخصين يمكن أن يقوم أحدهما بهذا الدور. الشخص الأول هو الشريف حسين والثاني كان عبد العزيز آل سعود. والفريق الأول كان يقوده هوجارث لورانس والفريق الثاني كان يقوده جون سانت فيلبي وكوكس. وانتصر رأى الفريق الأول وتم الاستقرار على إسناد دور بابا الإسلام للشريف حسين، وتدخلت عدة اعتبارات لنصرته كان أولها أنه من نسب الرسول وزعامته للعالم الإسلامي كبابا سوف تكون مقبولة، والاعتبار الثاني كان أن الشريف حسين بقرابته للرسول يستطيع إن رفض إعلان الجهاد الذي يعلنه الخليفة العثماني أن يوحد منه العرب والمسلمين كلهم تحت رايته.

وعندما قامت الحرب العالمية الأولى وأعلن الشريف حسين ثورته بالاتفاق مع بريطانيا في مقابل حصول العرب على استقلالهم وحققت بريطانيا أهدافها من الثورة العربية، وعندما انتهت الحرب العالمية وجاء وقت الحساب بين الشريف حسين وبريطانيا دب الخلاف بينهما، خاصة بعد نشر كافة تفاصيل معاهدة سايكس بيكو وتوزيع الغنائم. وقد ساءت تلك العلاقات بعد رفض بريطانيا تنفيذ وعودها له بل إنها طلبت منه قبول وضعها في العراق ومصر وإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين في مقابل الاحتفاظ له بالحجاز.

وفي يناير 1919 عقد مؤتمر الصلح بين الدول المتحاربة في فرساي وحضره الأمير فيصل نيابة عن أبيه الشريف حسين، ومنذ وصوله إلى فرساي بباريس بدأت إنجلترا تحشد الدول لإيقاع فلسطين ضمن ممتلكاته ومارست الضغوط على فيصل ابن حسين لقبوله فكرة وطن قومي لليهود مقابل الاحتفاظ بالحجاز لهم، وشنت عليه بريطانيا حرب أعصاب وأصبح في موقف لا يحسد عليه وخاصة أن مطالب أبيه كانت في المطالبة بتنفيذ معاهدة دمشق الخاصة باستقلال العرب. ولكن بريطانيا كانت قد شرعت بالفعل في تنفيذ وعد بلفور فكان الحل لإجبار الشريف حسين على قبول سياسة الأمر الواقع هو تهديده في عرشه رغم حاجة بريطانيا إليه باعتباره أفضل من يقوم بدور بابا الإسلام، فكان تهديده بواسطة شخصية عربية هو الحل وخاصة أن بريطانيا كانت مشغولة بثورات المستعمرات ضدها مثل ثورة “19″ في مصر بالإضافة إلى أن الشريف حسين قريب الرسول والتعرض إليه يثير الشعوب الإسلامية كلها، فكان لابد أن يكون الصراع عربياً خالصاً. وقتها بدأت إنجلترا البحث في أوراق وتقارير مخابراتها عن الشخص الذي يصلح لتنفيذ هذا الدور وكان عبد العزيز آل سعود هو الأداة التي استخدمتها بريطانيا لتنفيذ هذا المخطط كمرحلة أولى لمحاولة إثناء الشريف عن موقفه.

وقد أرسلت إليه بريطانيا لورانس حاملا معه نص المعاهدة الجديدة بينه وبين بريطانيا والخاصة بقبول فكرة إنشاء وطن قومي لليهود، إلا أن الشريف قام بإصدار بيان وزعه على الشعوب جاء فيه ” عرضت على الحكومة البريطانية معاهدة عدلتها بحيث ينص فيها على استقلال فلسطين وجعلت وعد بلفور في حكم أنه لم يصدر وإذا لم تقبل الحكومة البريطانية هذه التعديلات فلا يمكن أن أقبل المعاهدة”.

وبهذا التصريح وطرده للمبعوث البريطاني بدأت إنجلترا تنفيذ أولى مراحل الضغوط على الشريف حسين لقبول شروطها بواسطة عبد العزيز آل سعود والذي أكد تقرير المخابرات البريطانية في منطقة الجزيرة العربية والذي أعده السير “أرنولد ولسون” وقال فيه: إن تخلى الحسين عن العرش يساعد على تهدئة الموقف ويسهل تسوية قضايانا في فلسطين وسوريا والعراق حسب الخطوط التي يقبل بها الحلفاء. وقد واكب تنفيذ المخطط خطة إعلامية تقوم على تشويه صورة نموذج الرجل قريب الرسول وإظهاره بمظهر الخائن للأمة الإسلامية وتجميل صورة عبد العزيز آل سعود باعتباره مخلص هذه الأمة من أشرارها، وقد ساهم في نجاح الحملة الإعلامية سيطرة الإنجليز على وسائل الإعلام وعدم توافر مثل هذه الوسائل في عالمنا العربي.

هذا عن الحملة الإعلامية أما عن الحملة الحربية فكانت تقوم على ثلاث مراحل المرحلة الأولى هي القضاء على القوة العسكرية للشريف حسين لإجباره على قبول فكرة الوطن القومي لليهود، فإذا فشلت الحملة في إجباره على قبول شروط بريطانيا كانت الخطة الثانية هي التمهيد لاحتلال الحجاز وإظهار أن هذه المرحلة هي بداية مرحلة خلاص الأمة الإسلامية من الاستعمار الأوروبي وقد تواكب مع هذه الخطة خطة أخرى في فلسطين قامت بريطانيا بتنفيذها.

وتحت جنح الظلام تحركت جيوش الوهابيين بقيادة خالد بن لؤي القائد الوهابي متجهة إلى معسكر قوات الشريف حسين والذي كان يشرف على هذا المعسكر الأمير “عبد الله” أبو الخيانات في عالمنا العربي والذي غادر المعسكر عند وصول خالد بن لؤي باتفاق مسبق مع بريطانيا مقابل توليه إمارة شرق الأردن.

وبينما كانت جيوش الشريف حسين تغط في النوم قام الوهابيون بقطع رؤوس جيش الشريف حسين بمعدات بريطانية وخطة صهيونية وضعها جون سانت فيلبي ليفقد الشريف حسين عشرة آلاف من جنوده وجيشه الذي كانت تخشاه بريطانيا.

وبذلك نفذ عبد العزيز أول خطط بريطانيا لإجبار الشريف حسين على قبول معاهداتها، وكانت بريطانيا ترى أن القيام بعملية محدودة ضد الشريف حسين سوف يجعله يرضخ، هذه التوصية عملت بها بريطانيا بناء على رسالة هربت صموئيل أول مندوب سامي بريطاني إلى الدوق ديفونشي والذي جاء فيه من المحتمل أن التهديد المتزايد على الحجاز من قبل الوهابيين يجعل الشريف حسين أكثر تساهلا واستعدادا لقبول الشروط التي تتلاءم ومقتضيات سياستنا في فلسطين ثم نصحه بإطالة أمد المباحثات بين بريطانيا والشريف حسين. وقد أمرت بريطانيا ابن سعود بالتوقف عن مواصلة هجومه ناحية الحجاز لإتاحة الفرصة أمام الشريف حسين لمراجعة نفسه. وقد تواكب هذا مع بداية تنفيذ بريطانيا لمخطط داخل فلسطين بتنظيم هجرة اليهود وإعادة توزيع الأراضي عليهم واتخاذ القرارات الاقتصادية الخاصة بتكريس الأوضاع لصالحهم.

وبينما كانت قوات آل سعود تحصد رؤوس جيش الشريف حسين كانت بريطانيا وحلفاؤها يطبقون اتفاقية سايكس بيكو وإقامة الوطن القومي لليهود معتمدين على عدم وجود قوات عربية تواجههم، وقامت فرنسا بإدخال سوريا كلها تحت إشرافها واحتلالها بالكامل، بينما قامت بريطانيا باحتلال العراق والتمهيد لتطبيق الانتداب الكامل على فلسطين ووصلت البعثات الصهيونية إلى فلسطين لدراسة الخطط المستقبلية. وقامت الثورات العربية في مصر ثورة “1919″ والعراق وثارت الشعوب العربية كلها وتكبدت الحكومة البريطانية خسائر فادحة، ولكن كل ذلك يهون في سبيل تنفيذ مخطط زرع الجرثومة اليهودية وكانت الجيوش الوحيدة المجهزة والمؤهلة للحرب هي جيوش الشريف حسين، لذا فإن القضاء عليها كان خير وسيلة لتحقيق لأحلامها، ولذلك فقد وصل في أغسطس عام 1920 وزير المستعمرات البريطاني الجديد والذي خلف السير ويلسون في تولي الوزارة، وهذا الوزير كان بيرسي كوكس الذي سبق أن وقع أول معاهدة بين بريطانيا وآل سعود وكان هذا الرجل يراهن على أن ابن سعود هو الشخصية التي تستطيع أن تنفذ كل أحلام بريطانيا في المنطقة إذا أصبح بابا الإسلام. وعندما تولي هذا الرجل المنصب سافر إلى ميناء العقير وعقد اجتماعاً معه في 20 اغسطس “1920″ وتمخض هذا الاجتماع على أن يخلف ابن سعود الشريف حسين في المنطقة في مقابل مساعدة بريطانيا في تنفيذ أحلامها على أن تقوم بريطانيا بتخليصه من كل أعدائه ليتفرغ للقضاء على الهاشميين، لأن بريطانيا كانت تعمل دائما على عدم الاصطدام مع عقيدة المسلمين والشريف حسين وأسرته يمثلون آل بيت الرسول.

ولم تمض شهور حتّى كان ابن سعود قد تم تزويده بالأسلحة المتقدمة بلغة العصر ورجال من عمليات وزارة الدفاع البريطانية لرسم الخطط الحربية حتّى تمكن من احتلال حائل وعسير معقل آل الرشيد والذين انهارت على أيديهم الدولة السعودية الثانية، وباحتلال حائل وعسير تمكنت بريطانيا من الحصول على قاعدتين استراتيجيتين هما قاعدة قمران وفرسان واللتين كانتا محل طمع من قبل أمير اليمن دون أن تظهر أنها متواطئة مع آل سعود ضد الشريف حسين مع تقدم ابن سعود خطوة ناحية منصب بابوية الإسلام، في مقابل ذلك أصبح الشريف حسين في وضع لا يحسد عليه، إذ أصبح وحيدا ومحصوراً في إقليم ضيق بعد تطويقه من الجنوب والشمال والشرق، الأمر الذي يسهل على بريطانيا إجباره على الدخول معها في معاهدة جديدة وقبول فكرة الوطن القومي لليهود مقابل احتفاظه بعرش الحجاز، فبريطانيا كانت ترى أن الشريف حسين إن قبل فكرة الوطن القومي لليهود لن تثور الشعوب الإسلامية لمكانته.

لذا فقد عادت وأرسلت رجل المخابرات لورانس مرة أخرى ومعه نص المعاهدة الجديدة مع تقديم شروط أقل حدة من سابقاتها، وكلما تقدمت المفاوضات بين الطرفين كان الوضع في فلسطين هو المانع من الاتفاق. وقد تصادف في هذه الحقبة التاريخية الهامة أن عقد مؤتمر الصلح في لوزان يوم 27 أكتوبر 1922 وحضرته إيطاليا وبريطانيا وفرنسا وتركيا، وقد رفضت تركيا قبول شروط المعاهدة عند عرضها في أول جلسة، ثم أعيد فتح المؤتمر يوم 23 أبريل 1923 مع حضور وفد من اللجنة التنفيذية للمؤتمر الفلسطيني والذي بذل محاولات مستميتة في حمل تركيا على الإصرار على ما جاء في ميثاقهم بشأن البلاد العربية، من حقها في تقرير مصيرها، إلا أن المؤتمر انتهى وقد أضفى الشرعية على نظام الانتدابات وقد أرسلت وقتها اللجنة الصهيونية وفداً سافر لمقابلة الشريف حسين وقد حمل معه اقتراحات بحل مشكلة فلسطين على النحو التالي:

1 ـ إنشاء حكومة عربية في فلسطين يرأسها الأمير عبد الله.

2 ـ تكون اللغة العربية والعبرية لغة هذه الحكومة.

3 ـ يخضع اليهود لهذه الحكومة ويساعدون على إنشائها.

4 ـ تحدد الهجرة الصهيونية إلى فلسطين بنسبة الحاجة.

5 ـ يساوي بين العرب واليهود في الوظائف.

وقد رفض الملك هذه الشروط باعتبارها تكريساً وتنفيذاً لوعد بلفور.

واستغل الشريف حسين فرصة الحج وألقى خطبة جاء فيها: “أوكد لكم أنه إذا لم تفعل حكومة بريطانيا التعديلات التي طلبتها فلا يمكن أن أوقع على المعاهدة بل أرفضها رفضا باتا، وكونوا على ثقة أنه لا يمكن أن يذهب شبر من أراضي فلسطين فإنّا نحافظ على فلسطين محافظتنا على بيت الله الحرام ونريق في سبيل ذلك آخر نقطة من دمائنا”.

وبهذه الخطبة وطرد لورانس مبعوث الحكومة البريطانية ورفضه الموافقة على قبول وضع اليهود في فلسطين وضع الشريف حسين آخر مسمار في نعشه.

وبدأت بريطانيا تجهيز عبد العزيز آل سعود في إنهاء العرش الهاشمي، وقامت مخابراتها بوضع خطة لا تختلف مطلقا عن خطط دير ياسين وبئر سبع، خطة تقوم على ترويع القرى عن طريق أعمال القتل والذبح في قرية مجاورة لأنها لا تستطيع القتال في مكة لمكانتها لدى المسلمين بحيث يتناقل الناس والقرى خبر البشاعة والذبح والنهب، كل هذا سوف يخيف باقي القرى المجاورة وسكانها.

وقد اختارت بريطانيا مدينة الطائف مسرحا لتنفذ فيها خطتها مع تأمين ابن سعود من ناحية العراق والأردن حتّى لا يمد أولاد الشريف حسين عبد الله وفيصل المساعدة لأبيهم، ولكي تبعد بريطانيا نفسها عن شبهة التورط ولكي تبين أن الخلاف عربي خالص وضعت خطة دعائية سبقت تحرك ابن سعود وتقوم على تشويه صورة الشريف حسين وأنه هو خائن هذه الأمة وأنه الذي قضى على الخلافة الإسلامية ووضع يده في يد المسيحيين وأن ابن سعود هو مخلص هذه الأمة من هذا الشر، معتمدة في ذلك على سيطرتها على مساحة كبيرة من المستعمرات وتوافر المطبوعات والمجلات والصحف المنتشرة في كافة المستعمرات بل لمزيد من التخطيط فقد أوعزت إلى ابن سعود أن يرسل رسائل إلى جميع القناصل الأجنبية رسالة جاء فيها:

“ليس لنا في رعاياكم مسألة إلا إن كان لكم قدرة على إخراجه من جدة فأخرجوه وإلا ميزوا رعاياكم وعرفونا بمحلهم”.

وفي يوم 14 أغسطس 1924 تحرك الجيش الوهابي بقيادة خالد بن لؤي منفذ مذبحة تربة والخورمة في اتجاه مدينة الطائف ومزوداً بكافة الأسلحة الحديثة وغذاء يكفي للحرب عامين وخطط عسكرية تدرس في أعرق الكليات الحربية في العالم، كل هذا وبريطانيا كأنها بعيدة كل البعد وأن هذا هو المخطط لكل هذه المعركة.

وبوصول خالد بن لؤي قامت قواته بتنفيذ المخطط البريطاني فقامت بفصل رؤوس الرجال وأصبحت الشوارع تسبح في بحيرة من الدماء حتّى بلغ عدد القتلى ألفين وسبعمائة وخمسين قتيلاً، وفر العديد من السكان إلى مكة ليحتموا بالحرم وقد نجحت خطة بريطانيا عندما أعلن الشريف حسين مقابلة جيوش ابن سعود في شوارع مكة، لأنه بهذا التصريح كشف عن حالة الإحباط واليأس التي أصبح فيها لأن القتال في الحرم محرم لدى المسلمين، الأمر الذي دفعحزب الوطن الحجازي الذي أسسته بريطانيا إلى مطالبة الشريف بمغادرة البلاد حقناً لدماء المسلمين. وقد طلب أولاد الشريف حسين من بريطانيا التدخل لحل النزاع إلا أن بريطانيا ردت عليهم بأنها لا تتدخل في صراع بين عربيين حلفاء لها، وعادت بريطانيا وقررت التدخل وأمرت قوات ابن سعود بالتوقف عن الزحف، لعل الشريف حسين يقبل شروط بريطانيا ويعدل المعاهدة إلا أن إصرار الشريف حسين على تنفيذ بنود معاهدة دمشق سنة “1915″ وتعديلها بإنشاء حكومة دستورية في فلسطين، جعل بريطانيا تتراجع عن مساعيها وطلبت من ابن سعود الاستمرار في الهجوم وطلبت من حزب الوطن الحجازي الضغط على الشريف حسين لمغادرة البلاد والتنازل عن الحكم لابنه علي.

وبالفعل تحقق ما أرادت إنجلترا فقد تنازل الشريف حسين عن الحكم لابنه علي وبعدها أصدرت بريطانيا تصريحا وبياناً جاء فيه يوم 15 أكتوبر 1924 أنه بالنظر لتنازل الشريف حسين عن العرش فليس في وسع الحكومة البريطانية أن تواصل المفاوضات بشأن مشروع المعاهدة مع الحجاز كما وضعه الشريف حسين.

وبتنازل الشريف حسين والتصريح البريطاني دخلت جيوش ابن سعود مكة وتراجع جيش علي بن الشريف إلى جدة لتدور آخر معارك ابن سعود للوصول إلى عرش الحجاز.

وعلى مشارف جدة عسكرت قوات جيش الإخوان “الوهابيين” بقيادة عبد العزيز آل سعود لمدة عامين عجزت خلالهما عن الدخول إلى هذا الميناء الحيوي لأن قوات الملك علي بن الشريف حسين كانت أكثر خبرة وأكثر دراية بجغرافيا المكان بالإضافة إلى أن جدة كانت آخر أمل للشريف حسين بعد تنازله عن العرش، ومن العقبة حيث إقامته الجديدة أخذ يرسل المال والعتاد، فقامت بريطانيا بقطع أي محاولة للأمير عبد الله في الأردن فيصل في العراق لمساندة أخيهم في جدة كما قررت أيضاً طرد الشريف حسين من العقبة إلى منفي اختياري له في قبرص باعتبار أن وجوده يمثل خطراً ويزعزع الأمن في هذه المنطقة.

وأرسلت بعثة من ثلاثة أشخاص بحجة أنهم لجنة للصلح بين المسلمين رغم أن أعضاء هذه اللجنة كانوا من المسيحيين. فالأول هو جون سانت فيلبي والثاني أمين الريحاني الوكيل الأمريكي في المنطقة والثالث طالب النقيب عدو الهاشميين والجميع مسيحيون، وإن كانت الحقيقة أن هؤلاء الثلاثة كانوا في مهمة تجسس على القوات الجوية لقوات الأمير الذي كان يملك “12″ طائرة وكان جيش الإخوان يعتبرها شياطين والسيارات الحربية كانت حصان إبليس. وانتظرت شبكة التجسس وعبد العزيز آل سعود حتّى أكتوبر 1925 وهو شهر وصول ضابط المخابرات جلبرت كلايتون، وبمجرد وصوله إلى المنطقة قامت قوات الإخوان بعد أسبوع من وصوله بالهجوم على كافة الجهات ضد جيوش الملك علي لدرجة أن حاكم مكة استغاث بالعالم الإسلامي من هجوم جيوش الإخوان على مكة لتدميرهم وضربهم الأماكن الإسلامية وقتل الآمنين، لدرجة ضرب مدينة الرسول بالمدافع. وأمام هذا الهجوم اضطر الملك علي إلى التسليم ولكنه أراد أن يثبت للعالم كله أن وراء هذه المؤامرة والقوة هي بريطانيا وليست أسرة آل سعود. لذا نراه يوم 16 ديسمبر 1925 يقوم بتسليم الحجاز للمعتمد البريطاني في جدة المستر جوردن وفي 21 ديسمبر 1925 غادر الملك على جدة إلى العراق. وفي اليوم ذاته وصل المستر جوردن والشيخ عبد الله زينل رئيس الحكومة المؤقتة، وقدمها لابن سعود قائلا أن المهمة الإنسانية التي يسعى إليها هي التوسط لحقن الدماء قد انتهت وإنه يقدم لابن سعود بصورة رسمية رئيس الملكية ورئيس العسكرية ليكونا مسؤولين أمامه فشكره ابن سعود واثنى على عمله في سبيل السلام. وبتسليم جدة طويت آخر صفحات المؤامرة البريطانية لتنفيذ مخططها لإقامة الدولة اليهودية ولتبدأ صفحة جديدة في الدور الذي بدأ يلعبه عبد العزيز آل سعود كبابا للإسلام وحامي المصالح البريطانية في المنطقة بتسليم جدة ورحيل الملك علي إلى العراق وتسليم الحجاز إلى عبد العزيز آل سعود تبدأ مرحلة جديدة من مراحل أسرة آل سعود في تنفيذ وعد بلفور وإقامة وطن قومي لليهود ولكن هذه المرحلة تختلف عن سابقاتها، فالمرحلة السابقة كان دور آل سعود دوراً خفياً يتسم بالسرية، حرصت بريطانيا على إخفاء دورها في تحريك آل سعود ضد القضية العربية.

ولكن وعقب تسليم جدة دخلت العلاقة بينهما مرحلة العلانية وأصبح ابن سعود يجاهر بولائه للإنجليز وتنفيذ رغباتهم، وبدأت بريطانيا على الجانب الآخر تتعامل معه على أنه هو بابا للإسلام.

وجاء المؤتمر الإسلامي الأول الذي عقد في عام 1926 تحت شعار تخليص العالم الإسلامي من الاستعمار هو أول اختبار لموقف عبد العزيز آل سعود من قضية فلسطين، وقد بدأ المؤتمر بالخطبة الافتتاحية والتي فضحت حقيقة عبد العزيز آل سعود والتي قال فيها: “إنكم أحرار اليوم في مؤتمركم هذا وراء ما يفيدكم به دينكم ومن التزام أحكامه إلا بشئ واحد وهو عدم الخوض في السياسة الدولية وما بين الشعوب وحكوماتها من خلاف فإن هذا من المصالح الوضعية الخاصة بتلك الشعوب”.

ثم استكمل خطبته طالبا من الوفود أن تقتصر مناقشات المؤتمر حول بحث تحسين الطرق المؤدية بقوله أن استيلاءه على الحجاز أمر جازم.

وبهذه الخطبة أعلن عبد العزيز آل سعود موقفه بصراحة من قضية وضع فلسطين، ولم تكن الخطبة هي الإعلان الوحيد عن دور آل سعود في استغلال المؤتمر الإسلامي.

بل إنه عندما اجتمعت الوفود الإسلامية أمام الكعبة اقترح الشيخ عبد الله بن بلهيد أن تقسم الوفود الإسلامية الحاضرة المؤتمر على أنهم سوف يسعون بكل قواهم لتخليص الأماكن المقدسة من النفوذ الأجنبي وبمجرد اقتراح هذا القسم على الوفود وشرح أغراضه ورد الفعل الذي سوف يحدثه في نفوس المسلمين حين يتصل إلى مسامعهم وقتها، أظلمت الدنيا في عيني ابن سعود وحبذ مستشاريه لتأجيل البت في هذا الاقتراح إلى العام المقبل مؤكدا أن النية موجودة لمثل هذا العمل.

ولم يكن هذا هو آخر مواقف ابن سعود للحيولة دون مناقشة قضية وضع اليهود في فلسطين بل احتج وهدد بإلغاء المؤتمر وعدم استضافته مرة أخرى، عقب الموافقة على تأجيل القسم إلى العام المقبل طلبت الوفود مناقشة قضية تخليص المقدسات الإسلامية وإدراجها في جدول الأعمال بما فيها قضية الشام وبمجرد طرح هذا الموضوع للمناقشة علق ابن سعود استمرار المؤتمر على حذف هذا الاقتراح من جدول الأعمال.

وكانت أكثر المواقف بحاجة عندما طرح مستشارو عبد العزيز آل سعود فكرة تنصيب ابن سعود منصب بابوية الإسلام وذلك تحت شعار أن ابن سعود دان له حكم الحجاز لذا وباعتباره حارسا للأماكن المقدسة فلابد أن تكون له سيادة نوعية على العالم الإسلامي.

وهنا تدخل الشيخ الظواهري ممثل مصر ليفضح حقيقة علاقة آل سعود بالغرب، وبدأ كلامه بنقد خطبة الملك ابن سعود وكانت بدايته مقولته أننا لا نقبل تدخلاً أجنبياً في هذه البلاد الطاهرة أيا كان نوعه، وكان رد الشيخ الظواهري على هذه الفقرة أن كلمة أجنبي هذه مجملة فإذا كان المراد بها من يدين بالإسلام فذلك ما يؤيده فيه كل العالم إلا أن تطبيق ذلك مع الجمع بين سلطنة نجد ومملكة الحجاز يحتاج إلى دراسة المعاهدات التي عقدتها نجد مع الدول الأجنبية خشية أن يكون فيها ما يحمل إقرار الجميع بوجه من وجوه التدخل الذي نهى عنه الملك، وضرب مثلاً لذلك بأنه إذا فرض أن لدولة أجنبية حق التدخل في تعيين سلطان نجد من بين آل سعود كان معنى ذلك أن لهذه الدولة حق التدخل في تعيين ملك الحجاز ما دام سلطان نجد هو ملك الحجاز.

وقد سببت هذه الاستفسارات من الشيخ الظواهري إحراجا لابن سعود لدرجة تجنيده لكل مستشاريه للتوسط لدى الشيخ الظواهري لسحب مذكرته مقابل سحب الملك خطبته الافتتاحية.

وقد سحب الملك خطبته وسكت الشيخ الظواهري وماتت قضية المقدسات في فلسطين.

وقد تنبه الإنجليز وقتها وابن سعود بضرورة تعديل معاهدة الحماية البريطانية على الحجاز وكافة اتفاقياتها مع ابن سعود.

لأن المؤتمر كشف إمكانية ثورة المسلمين من أجل الأماكن المقدسة، وكان مخططها هو تنصيب ابن سعود كبابا للإسلام ليخدم مصالحها، لذا فقد قامت بريطانيا بتعديل معاهدة 1915 التي من شأنها إثارة مشاعر المسلمين وإبرام معاهدة جديدة تحقق لابن سعود قدراً من الوضع المتميز مع عدم الالتزام ناحيته بأية تعهدات حول وضعها في البلاد العربية خاصة مسألة فلسطين، حتّى لا يحدث لها مثل الذي حدث من الشريف حسين. وبتلك المعاهدة أصبح ابن سعود بابا للإسلام لوقوع الأماكن الإسلامية تحت حمايته وأطلق لبريطانيا العنان لتحقيق حلمها بزرع جرثومة على جانب قناة السويس لتأمن ممتلكاتها عبر البوابة السرية.

وبمجرد تعديل المعاهدة والتعامل مع ابن سعود على أنه بابا للإسلام بدأ ابن سعود يلعب دورا جديداً يقوم على البعد كل البعد على ما يتعارض مع مصالح بريطانيا ومخططها في المنطقة العربية، ولعل موقفه من ثورة البراق التي وقعت احداثها عام “1929″ هو خير دليل على هذا الكلام.

فالبراق عبارة عن حائط بحي الحرم الشريف ويعتقد أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد عرج منه إلى السماء في ليلة الإسراء وأن البراق ربط في تلك الليلة في الغرفة التي يدخل جزء منها وسط الحائط الغربي ويسمى هذا الحائط البراق، والمسلمون وهم يملكون الحرم الشريف يملكون أيضاً الحائط الغربي منذ أكثر من ألف وثلاثمائة عام والرصيف الملاصق لهذا الحائط والذي يقف عليه اليهود عند قيامهم بفروض الصلاة وقف إسلامي مؤيد لدى متولي الوقف وقد عنى به المسلمون على مختلف الأزمان عناية خاصة.

وحائط البراق هو في الوقت نفسه حائط المبكي وآخر آثار الهيكل اليهودي الذي هدمه الرومان يؤمه اليهود ويبكون مجدهم الغابر، وقد سمح لهم المسلمون منذ القرون الوسطى بزيارة هذا الحائط على أن يكتفوا بالزيارة وفي يوم الصيام المعتاد المعروف باسم تسعة “آب” والذي يحتفل فيه بذكرى آخر هيكل لليهود جرت العادة عند اليهود ممن يكونون بالقدس أو بالقرب منه ويستطيعون زيارة الحائط أن يقوموا بهذه الزيارة بشرط احترام قدسية المكان الإسلامي. ولكن ومنذ انتهاء الحرب العالمية أخذ اليهود يفكرون في تثبيت حقوق واسعة لهم في هذا المكان عن طريق الحال الذي كان موجوداً قبل الاحتلال، وبدأوا خطواتهم الأولى عام 1919 بما قدموا من عرائض رسمية نشروها في مقالات عديدة، لدرجة نشر صورة هيكل جديد مكان مسجد قبة الصخرة ونشروا الصور يعلوها العلم الصهيوني. وفي عام 1929 وعقب انتهاء المؤتمر الصهيوني السادس عشر الذي عقد بزيورخ في شهر يوليو وتقرر فيه طلب فتح باب الهجرة على مصراعيه، عقد أول اجتماع تأسيسي للوكالة اليهودية خلال الفترة من 28 يوليو إلى 11 أغسطس وأرسلت الوكالة رسالة إلى حاكم مدينة القدس أكدت فيها على ان عدداً من الشباب اليهودي يريدون زيارة حائط المبكي، وقد وافق حاكم القدس بشرط عدم الهتاف أو رفع الأعلام والتظاهر احتراما لمشاعر المسلمين.

ولكن وبمجرد وصول موكب اليهود إلى حائط المبكي ارتفعت الأعلام وحاولوا عمل ستائر حول حائط البراق وأخذوا ينشدون نشيد هاتيكفا وهو النشيد اليهودي وأخذوا يرددون قولهم الحائط حائطنا عار على الذين يدنسون أماكننا المقدسة، عار على الحكومة. الأمر الذي أثار المسلمين وهبوا للدفاع عن المسجد الأقصى، وبدلا من منع اليهود قامت الشرطة البريطانية بضرب المسلمين وإلقاء القنابل على المسجد الأقصى.

وباعتبار ابن سعود هو بابا المسلمين فقد كان المتوقع منه التدخل لحماية مقدسات المسلمين لأنه سبق أن طلب عام 1926 أن تكون له سيادة نوعية على العالم الإسلامي. ولكن كل ما فعله هو إرسال خطاب إلى ملك بريطانيا عبر فيه عن سوء الأثر الذي أحدثه تدخل بريطانيا إلى جانب اليهود. وتوالت بعد ذلك المواقف المخذلة لابن سعود، ففي يوم 7 ديسمبر 1931 عقد مؤتمر إسلامي بالقدس لمناقشة قضية المقدسات الاسلامية، غلا أن ابن سعود رفض الحضور بعد أن علم أن هناك “145″ شخصية عربية قررت اتخاذ موقف جماعي ضد الاستعمار البريطاني في القدس، لذا فقد رفض ابن سعود الحضور أو إرسال مندوب عنه خوفا من أن تغضب عليه بريطانيا.

…………. …………………….

ولعل ما حدث عام “1936″ هو أخطر دور لعبه ابن سعود في خدمة اليهود، وهذا العام هو الذي شهد قيام أول ثورة فلسطينية حقيقية بعد أن تأكد الفلسطينيون أن عدوهم الأول هو بريطانيا. وقد اشتعلت الثورة ولاقت تأييداً من كافة دول العالم الإسلامي، وأصبحت بريطانيا في موقف لا تحسد عليه لدرجة أنها بدأت تعيد حساباتها بشأن وضع فلسطين بعد أن بدأت رياح التمرد تظهر بين المسلمين وتؤيد الثورة.

هنا لجأت بريطانيا إلى بابا المسلمين وحامي الحرمين وبدلا من أن يعلن تأييده للثورة وإعلان الجهاد من فوق منبر الحرمين نجد أنه يلعب أخطر دور في تاريخ المسلمين، فقام يوم 13 يولية 1936 بإرسال رسالة إلى عبد الله بن الشريف حسين أمير الأردن يقترح فيها التقدم لتوجيه نداء عام يشترك فيه سموكم وجلالة الأخوين الملك غازي والإمام يحيى ندعو فيه أهل فلسطين لتوقف الاضطرابات ليفسحوا للحكومة البريطانية المجال لإنصافهم في جو هادئ، فإن مثل هذا النداء إذا قبل ووقفت الحركة، بعده يكون لنا جميعا وجه عند الحكومة في رجائها بقبول مطالب أهل فلسطين وإنصافهم. وفي يوم 12 أغسطس من نفس العام أرسل إلى اللجنة العربية نداء داء فيه أن الواقع في بلاد فلسطين قد آلمنا كما آلم كل مسلم وعربي ومن أجل ذلك توالت المراجعات والمداولات منذ مدة بيننا وبين جلالة الملك يحيى والملك غازي. وبريطانيا على استعداد لنظر قضية فلسطين بعين العطف بعد أن تهدأ الحالة.

واستجابت اللجنة العربية وأهل فلسطين لنداء بابا الإسلام وتوقفت المظاهرات وهدأت إلى الحالة التي استطاعت فيها بريطانيا توسيع قبضتها وإحكام سيطرتها على البلاد وانتظر أهل فلسطين نظر بريطانيا إليهم بعين العطف حول مطالبهم.

وكان رد بريطانيا حول مطالب أهل فلسطين هو ما قيل تحت قبة مجلس العموم في 4 نوفمبر 1936 والذي أعلنه وزير المستعمرات البريطاني والذي جاء فيه: لم تتقدم حكومة صاحبة الجلالة بأي طلب على الإطلاق إلى أن من الحكام العرب للمساعدة أو المشورة فيما يتعلق بفلسطين وأن الحكام العرب قد أبدوا تلقائيا وبالطرق السلمية رغبتهم في استخدام نفوذهم لدى عرب فلسطين لصالح السلام، وقد أخبروا رداً على استفساراتهم بشأن موقف حكومة صاحبة الجلالة من القضية أن الحكومة ليس لديها اعتراض على أن يوجه الحكام العرب نداء إلى عرب فلسطين بإيقاف الاضطرابات وحملات العنف شريطة أن يكون غير مشروط، ولم تقدم حكومة صاحبة الجلالة أية تعهدات أو دعوة صريحة أو ضمنية، كما أنه كان واضحا تمام الوضوح للحكام المعنيين أن حكومة صاحبة الجلالة غير مستعدة للدخول في أي نوع من التعهدات على الإطلاق.

وإذا كان ابن سعود قد تدخل لإجهاض أول ثورة فلسطينية لصالح بريطانيا عام 1936، إلا أنه لم يحاول أن يكفر عن خطاياه بل اندفع اندفاعا لخدمة بريطانيا على حساب المقدسات الإسلامية، مستغلا منبر الحرمين في الدعوة لبريطانيا ومجدها. وقد أكدت الحكومة البريطانية على أهمية الدور الذي لعبه ابن سعود أثناء الحرب العالمية في تقرير 28 أبريل 1943 والذي أعده تشرشل والذي جاء فيه:

“إن الساسة العرب باستثناء ابن سعود والأمير عبد الله لم يبدوا أي تعاطف نحو بريطانيا أثناء الحرب”.

أما عن الدور الذي لعبه ابن سعود أثناء الحرب فكان أوله هو إرسال ابنه على رأس قوة إلى مرسي مطروح للحرب بجانب بريطانيا، في وقت كان يستطيع أن يقطع كل خطوط الإمداد عن بريطانيا لموقعه المتميز.

وأثناء الحرب العالمية الثانية أعلن المسلمون العصيان على بريطانيا وهاجموا القوات البريطانية وكان ينقصهم الدعم المعنوي من حامي الحرمين إلا أنه لم يستطع الإقدام على أية خطوة تهدد حكومة صاحبة الجلالة.

وفي العراق وعلى بعد كيلو مترات منه قامت الثورة العراقية بقيادة رشيد غالي وبدلا من تقديم العون لهم أغلق حدوده ورفض تقديم أية مساعدات وكانت آخر أدوار ابن سعود في خدمة بريطانيا لصالح اليهود هو ما حدث في 8 يونية 1946 أثناء انعقاد دورة طارئة للجامعة العربية لمناقشة الاقتراحات والإجراءات التي يجب اتخاذها لمواجهة موقف لجنة البريطانية الأمريكية الخاصة بتحقيق وعد بلفور وإقامة وطن قومي لليهود.

في هذا التاريخ استقر رأى الوفود العربية في فندق بلوردان بسوريا على أن:

1 ـ الحالة في فلسطين تتطور إلى صدام عنيف وقد ينشأ عن ذلك أن يتخذ عرب فلسطين لأنفسهم الحيطة بترتيبات مماثلة ويقع الاحتكاك بين القوتين ولن تستطيع الحكومات العربية منع شعوبها من التطوع بجميع الوسائل لنصرة عرب فلسطين بالمال والسلاح والمجاهدين.

ثم كان الاقتراح الثاني الخاص بإلغاء ما يكون لبريطانيا وأمريكا من امتيازات داخل الوطن العربي هو أهم الاقتراحات.

وقتها أرسل ابن سعود رسالة إلى مندوبه رافضا تلك الاقتراحات متعللاً أن جلالته يرى التزام سياسة الحذر وألا تغامر الدول العربية بأمر لا تثق بنتائجه.

…………… …………………… ………………

عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية خرجت بريطانيا مدينة للولايات المتحدة الأمريكية بـ 450 مليون جنيه بالإضافة إلى أن الولايات المتحدة قامت بإلقاء قنبلتي هيروشيما ونكازاكي لتجمع بذلك بين القوة العسكرية والاقتصادية، فكان من الطبيعي أن تتلاشى الامبراطورية البريطانية ويغيب نجمها أمام القوة الأمريكية وتسلم لها ميراثها كله في الشرق، لذا كانت أول خطوة اتخذها ابن سعود هو تغيير قبلته من لندن إلى واشنطن ليبدأ في تنفيذ نفس الدور الذي لعبه لصالح بريطانيا في الماضي. وكانت البداية في يناير 1945 عقب نهاية مؤتمر يالطا عندما فاجأ الرئيس روزفلت المستر تشرشل بعزمه الطيران إلى البحيرات المرة بمصر لمقابلة الملك فاروق والملك عبد العزيز آل سعود وهيلا سلاسي. وفي اتجاه ميناء جدة تحركت مدمرة أمريكية لنقل ابن سعود إلى الإسماعيلية لمقابلة روزفلت لتصل إلى الإسماعيلية يوم 14 فبراير وعلى ظهر الطراد الأمريكي أعلن روزفلت تبعية ابن سعود لأمريكا وإنهاء سيطرة ونفوذ بريطانيا عليه، الأمر الذي دفع تشرشل أن يقول مقولته المشهورة: “إن هناك مؤامرة لنسف الامبراطورية في تلك الجهات”.

وأصبح عبد العزيز يؤدي نفس الدور الذي كان يؤديه لصالح بريطانيا، وعندما أبدى أصحاب شركات التنقيب عن البترول مخاوفهم من خطورة تورط الولايات المتحدة الأمريكية في المشكلة العربية الفلسطينية، رد الرئيس الأمريكي على مخاوفهم بنص رسالة مرسلة إليه من عبد العزيز آل سعود في عام 1943 طلب فيها ابن سعود من الإدارة الامريكية أن تستشيره قبل الإقدام على أي عمل يتعلق بفلسطين وردت الحكومة الأمريكية عليه بأنها لم تتخذ أي خطوة في تأييد إقامة الوطن اليهودي دون مشورته في 26 آبار 1943. هذه الرسالة كانت اللغز الذي ظل لسنوات يبحث عن إجابة على التساؤل حول كيفية قيام دولة يهودية بمباركة أمريكية رغم مخاوف أصحاب شركات النفط على مشاريعهم، وكانت رسالة آل سعود إلى الإدارة الامريكية وطلب المعرفة والمشورة قبل الإقدام هي خير إجابة على السؤال.

فما عاد على ابن سعود وأسرته من أرباح البترول يفوق في أهميته فلسطين فالبترول سلعة استخراجية في بلد متخلف لا تملك وسائل تكريره واستخراجه، والإدارة الأمريكية وشركاتها قدمت المال والمعدات لابن سعود وتأمين الملك وحكمه بعد زيادة النفوذ الروسي وأطماعه في المنطقة العربية.

لكن هل توقف دور ال سعود عند حد تسهيل اقامه اسرائيل اما تحولت تعهدات عبد العزيز ال سعود للامريكان الى عهد توارثه ابناؤة من بعدة فى تأمين بقاء اسرائيل وسط يركان من الغضب وكيف تعامل ال سعود مع المتغيرات العربيه وخروج الاستعمار البريطانى والفرنسى من المنطقه العربيه

رسالة إلى جمال عبد الناص


رسالة إلى جمال عبد الناصر من نزار قباني


السيدُ نامْ ..
السيدُ نام كنوم السيف العائد من إحدى الغزواتْ
السيدُ يرقد مثل الطفل الغافى فى حضن الغاباتْ
السيدُ نام .
وكيف أصدق الهرم الرابع ماتْ ؟
القائد لم يذهب أبداً
بل دخل الغرفة كى يرتاحْ
وسيصحو حين تطل الشمسُ
كما يصحو عطر التفاحْ
الخبز سيأكله معنا ..
ويقولُ لنا ..
القائد يشعر بالإرهاق ،
فخلّوهْ يغفو ساعاتْ ..
ـ2ـ
يا من تبكون على ناصرْ
السيد كان صديق الشمسِ ،
فكفّوا عن سكب العبراتْ
السيد ما زال هنا ..
يتمشى فوق جسور النيل،
ويجلس فى ظل النخلاتْ
ويزور الجيزة عند الفجر
ليلثم حجر الأهراماتْ
يسأل عن مصرَ .. ومن فى مصرَ ..
ويسقى أزهار الشرفاتْ
ويصلّى الجمعةَ .. والعيدينِ
ويقضى للناس الحاجاتْ
ما زال هنا عبد الناصرْ
فى طمى النيلِ ، وزهر القطن ،
وفى أطواق الفلاحاتْ ..
فى فرح الشعب ..
وحزنِ الشعب ..
وفى الأمثال وفى الكلماتْ ..
ما زال هنا عبد الناصرْ
من قال الهرم الرابع مات ؟
ـ3ـ
يا من يتساءل : أين مضى عبد الناصر ؟؟
يا من يتساءل :
هل يأتى عبد الناصر ؟؟
السيد موجود فينا ..
موجود فى أرغفة الخبز ،
وفى أزهار أوانينا
مرسومٌ فوق نجوم الصيفِ ..
وفوق رمال شواطينا ..
موجودٌ فى أوراق المصحف ،
فى صلوات مُصلّينا ..
موجود فى كلمات الحبِّ ،
وفى أصوات مُغنّينا
موجود فى عرق العمّال ،
وفى أسوان ، وفى سينا
مكتوب فوق تحدّينا
السيدُ نامَ .. وإن رجعتْ
أسراب الطير ،
سيأتينا ...


جمال عبد الناصر

زمانـك بستـانٌ .. وعصـركَ أخضرُ


وذكـراكَ ، عصـفورٌ مـن القلب ينقرُ

ملأنا لك الأقــداحَ ، يا مــن بِحُبّـه


سكِـرنا ، كما الصـوفىّ بالله يســكرُ

دخلت على تاريخنـــا ذات ليلـــةٍ


فرائحــةُ التاريــخ مسكٌ وعنبــرُ

وكنت َ، فكـانت فى الحقــول سنابلٌ


وكانت عصــافير ٌ.. وكان صــنوبرُ

لمسْتَ أمانينــا ، فصــارتْ جداولاً


وأمطــرتنا حبّـا ، ولا زلتَ تمطــرُ

تأخّــرت عن وعــد الهوى يا حبيبنا


وما كنت عن وعــد الهــوى تتأخرُ

سَهِدْنا .. وفكّــرنا .. وشاخت دموعنـا


وشابت ليالينــا ، وما كنت تحضــُرُ

تعاودنـــى ذكــراك كلّ عشيّــةٍ


ويورق فكـــرى حين فيــك أفكّر ..

وتأبى جراحـــى أن تضــمّ شفاهها


كأن جــراح الحــبّ لا تتخثّـــرُ

أحبّك لا تفسيــر عنــدى لصَبْوتـى


أفسّـر ماذا ؟ والهـــوى لا يفسَّــر

تأخرت يا أغلـى الرجـــال ، فليلنـا


طويـل ، وأضــواء القناديـل تسهرُ

تأخّـرت .. فالسـاعات تـأكل نفسهـا


وأيامنا فــى بعضهــــا تتعثّــرُ

أتسأل عن أعمــارنا ؟ أنت عمــرنا


وأنت لنا المهــدىّ .. أنت المحــرّرُ

وأنت أبو الثــورات ، أنت وقـودهـا


وأنت انبعـاث الأرض، أنت التغيّــرُ

تضيق قبـور الميتيــن بمــن بهـا


وفى كل يــوم أنت فــى القبر تكبرُ

تأخــرت عنّا .. فالجيــاد حـزينـة


وسيفك مـن أشـواقه ، كـاد يكفـــرُ

حصانـك فـى سينـاء يشـرب دمعَهُ


ويا لعــذاب الخيــل ، إذ تتـذكـّرُ

وراياتك الخضــراء تمضــغ دربها


وفـوقك آلاف الأكاليــل تُضـــْفَرُ

تأخــرت عنا .. فالمسيــح معـذّبٌ


هناك ، وجــرح المجــدلية أحمرُ ..

نساء فلسطيـنٍ تكحّلـن بالأســــى


وفى بيت لحــمٍ قاصـراتٌ .. وقصّرُ

وليمونُ يـافـا يـابسٌ فـى حقولــهِ


وهل شجــرٌ فى قبضـة الظلم يُزهرُ ؟

رفيق صــلاح الدين .. هل لك عودةٌ


فإن جيـوش الــروم تنهــى وتأمرُ

رفاقك فى الأغــوار شـدّوا سُروجَهم


وجنـدك فى حِطِّين ، صلّوا .. وكبّروا ..

تُغنّـى بـك الدّنيــا .. كأنك طـارقٌ


على بـركات الله ، يرســو .. ويُبحرُ

تناديـك من شــوقٍ مـآذنُ مكّــةٍ


وتبكيـك بَــدر ٌ، يا حبيبـى ، وخيبرُ

ويبكيـك صـفصاف الشــام ووردها


ويبكيـك زهـرُ الغـوطتين ، ودُمَّــرُ

تعال إلينــا .. فالمــروءات أطرقتْ


وموطــن آبائــى زجـاج مكسّرُ ..

هزمنـا .. ومـا زلنـا شِتـاتَ قبائـلِ


تعيشُ على الحقــد الدفيــن وتثـأرُ

رفيق صــلاح الدين .. هل لك عـودةٌ


فإن جيـوش الــروم تنهـى ، وتأمرُ

يحاصــرنا كالمــوت ألفُ خليفــةً


ففى الشرق هولاكو .. وفى الغرب قيصرُ

أبا خالـد أشكـو إليــك مـواجعـى


ومثلــى له عــذرٌ .. ومثلك يعــذرُ

أنا شجــرُ الأحــزان ، أنـزفُ دائماً


وفى الثلـج والأنـواءِ .. أعطـى وأُثمرُ

يثيـرُ حــزيـرانٌ جنونـى ونقْمتَـى


فأغتال أوثانــى .. وأبكـى .. وأكفـرُ

وأذبــح أهـلَ الكـهف فـوق فراشهم


جميعاً ، ومن بـوّابـة المــوت أعبرُ

وأتـرك خلفــى ناقتـى وعباءتــى


وأمشى .. أنا فى رَقْبــة الشمس خِنجرُ

وأصـرخُ : يا أرض الخرافات ِ.. احْبلى


لعلّ مسيحــاً ثانيـاً .. سوف يظهرُ ..


القصيدة الثالثه

هذه القصيده للزعيم الراحل ( جمال عبدالناصر )

قتلناك يااخر الانبياء قتلناك
ليس جديدا علينا
قتل الصحابه والاولياء
فكم من رسول قتلنا
وكم من امام
ذبحناه وهو يصلي صلاه العشاء
فتاريخنا كله محنه
وايامنا كلها كربلاء
2
نزلت علينا كتابا جميلا
ولكننا لانجدي القراءه
وسافرت فينا لارض البراءه
ولكننا ماقبلنا الرحيلا
تركناك في شمس سيناء وحدك
تكلم ربك في الطور وحدك
وتعري
وتشقي
وتعطش وحدك
ونحن هنا نجلس القرفضاء
نبيع الشعارات للاغبياء
ونحشو الجماهير تبنا وقشا
ونتركهم يعلكون الهواء
3
قتلناك
ياجبل الكبرياء
واخر قنديل زيت
يضئي لنا ليالي الشتاء
واخر سيف من القادسيه
قتلناك نحن بكلتا يدينا
وقلنا المنيه
لماذا قبلت المجي الينا
فمثلك كان كثيرا علينا
سقناك سم العروبه حتي شبعت
رميناك في نار عمان حتي احترقت
اريناك غدر العروبه حتي كفرت
لماذا ظهرت بارض النفاق
لماذا ظهرت
فنحن شعوب من الجاهليه
ونحن التقلب
نحن التذبذب
والباطنيه
نبايع اربابنا في الصباح
ونأكلهم حين تاتي العشيه
4
قتلناك
ياحبنا وهوانا
وكنت الصديق وكنت الصدوق
وكنت ابانا
وحين غسلنا يدينا اكتشفنا
بأنا قتلنا منانا
وان دمائك فوق الوساده
كانت دمانا
نفضت غبار الدراويش عنا
اعدت الينا صبانا
وسافرت فينا المستحيل
وعلمتنا الزهو والعنفوانا
ولكننا
حين طال المسير علينا
وطالت اظافرنا ولحانا
قتلنا الحصانا
فتبت يدانا
فتبت يدانا
اتينا اليك بعاهاتنا
واحقادنا وانحرافاتنا
الي ان ذبحتك ذبحا
بسيف أسانا
فليتك في ارضنا ماظهرت
وليتك كنت نبي سوانا
5
ابا خالد  ياقصيده شعر
تقال
فيحضر منها المداد
الي اين ؟
يافارس الحلم تمضي
وما الشوط حين يموت الجواد
الي اين ؟
كل الاساطير ماتت
بموتك وانتحرت شهرزاد
وراء الجنازه  سارت قريش
فهذا هشام
وهذا زياد
وهذا يريق الدموع عليك
وخنجره تحت ثوب الحداد
وهذا يجاهد في نومه
وفي الصحو
يبكي الجهاد
وهذا يحاول بعدك ملكا
وبعدك
كل الملوك رماد
وفود الخوارج جاءت جميعا
لتنظم فيك
ملاحم عشق
فمن كفروك
ومن خونوك
ومن صلبوك بباب دمشق
انادي عليك ابا خالد
واعرف اني انادي بواد
واعرف انك لن تستجيب
وان الخوارق ليست تعاد


القصيدة الرابعه

رساله الى جمال عبد الناصر


والدُنا جمالَ عبدَ الناصرْ:
عندي خطابٌ عاجلٌ إليكْ..
من أرضِ مصرَ الطيبةْ
من ليلها المشغولِ بالفيروزِ والجواهرِ
ومن مقاهي سيّدي الحسين، من حدائقِ القناطرِ
ومن تُرعِ النيلِ التي تركتَها..
حزينةَ الضفائرِ..
عندي خطابٌ عاجلٌ إليكْ
من الملايينِ التي قد أدمنتْ هواكْ
من الملايين التي تريدُ أن تراكْ
عندي خطابٌ كلّهُ أشجانْ
لكنّني..
لكنّني يا سيّدي
لا أعرفُ العنوانْ…

والدُنا جمالَ عبدَ الناصرْ
الزرعُ في الغيطان، والأولادُ في البلدْ
ومولدُ النبيِّ، والمآذنُ الزرقاءُ..
والأجراسُ في يومِ الأحدْ..
وهذهِ القاهرةُ التي غفَتْ..
كزهرةٍ بيضاءَ.. في شعرِ الأبَدْ..
يسلّمونَ كلّهم عليكْ
يقبّلونَ كلّهم يديكْ..
ويسألونَ عنكَ كلَّ قادمٍ إلى البلدْ
متى تعودُ للبلدْ؟…

حمائمُ الأزهرِ يا حبيبَنا.. تُهدي لكَ السلامْ
مُعدّياتُ النيلِ يا حبيبَنا.. تّهدي لكَ السلامْ..
والقطنُ في الحقولِ، والنخيلُ، والغمامُ..
جميعُها.. جميعُها.. تُهدي لكَ السلامْ..
كرسيُّكَ المهجورُ في منشيّةِ البكريِّ..
يبكي فارسَ الأحلامْ..
والصبرُ لا صبرَ لهُ.. والنومُ لا ينامْ
وساعةُ الجدارِ.. من ذهولِها..
ضيّعتِ الأيّامْ..
يا مَن سكنتَ الوقتَ والأيامْ
عندي خطابٌ عاجلٌ إليكَ..
لكنّني…
لكنّني يا سيّدي.. لا أجدُ الكلامْ
لا أجدُ الكلامْ..

والدُنا جمالَ عبدَ الناصرْ:
الحزنُ مرسومٌ على الغيومِ، والأشجارِ، والستائرِ
وأنتَ سافرتَ ولم تسافرِ..
فأنتَ في رائحةِ الأرضِ، وفي تفتُّحِ الأزاهرِ..
في صوتِ كلِّ موجةٍ، وصوتِ كلِّ طائرِ
في كتبِ الأطفالِ، في الحروفِ، والدفاترِ
في خضرةِ العيونِ، وارتعاشةِ الأساورِ..
في صدرِ كلِّ مؤمنٍ، وسيفِ كلِّ ثائرِ..
عندي خطابٌ عاجلٌ إليكْ..
لكنّني..
لكنّني يا سيّدي..
تسحقُني مشاعري..

يا أيُها المعلّمُ الكبيرْ
كم حزنُنا كبيرْ..
كم جرحُنا كبيرْ..
لكنّنا
نقسمُ باللهِ العليِّ القديرْ
أن نحبسَ الدموعَ في الأحداقْ..
ونخنقَ العبرةْ..
نقسمُ باللهِ العليِّ القديرْ..
أن نحفظَ الميثاقْ..
ونحفظَ الثورةْ..
وعندما يسألُنا أولادُنا
من أنتمُ؟
في أيِّ عصرٍ عشتمُ..؟
في عصرِ أيِّ مُلهمِ؟
في عصرِ أيِّ ساحرِ؟
نجيبُهم: في عصرِ عبدِ الناصرِ..
الله.. ما أروعها شهادةً
أن يوجدَ الإنسانُ في عصرِ عبدِ الناصرِ

من امرأة ناصرية الى جمال عبدالناصر للشاعرة سعاد الصباح



20‏/06‏/2012

من امرأة ناصرية الى جمال عبدالناصر للشاعرة سعاد الصباح

ـ 1 ـ
كنا كباراً معه فى كتب الزمان

كنا خيولاً تشعل الآفاق عنفوان

كان النسر الخرافى الذى يشيلنا

على جناحيه إلى شواطئ الأمان

كان كبيراً كالمسافات ..

مضيئاً ، كالمنارات ..

جديداً كالنبوءات ..

عميق الصوت كالكهان ..

وكان فى عينيه برقٌ دائم

يشبه ما تقوله النيران للنيران

ـ 2 ـ

كنا شموساً معه

نوزع الضوء على مساحة الأكوان

كنا جبالاً معه حجر الصوان

وكان يحمينا من الركوع والهوان

كنا نسمى .. باسمه

إذا نسينا مرة أسماءنا

كنا نناديه جميعاً يا أبى

إذا أضعنا مرة آباءنا

فهو الذى أطلقنا من رقنا

وهو الذى حررنا من خوفنا

وهو الذى أيقظ فى أعماقنا الإنسان

ـ 3 ـ

كان هو الأجمل فى تاريخنا

والنخلة الأطول فى صحرائنا

كان هو الحلم الذى يورق فى أهدابنا

كان هو الشعر الذى يولد مثل البرق من شفاهنا

كان بنا يطير فوق جغرافية المكان

مستهزنا فى هذه الحواجز المصطنعة

من هذه الممالك المخترعة

من هذه الملابس الضيقة المضحكة المرقعة

من هذه البيارق الباهتة الألوان

ـ 3 ـ

كنا على صورتنا

كنا على صورته

كان يرى التاريخ فى نظرتنا

كنا نرى المستقبل الجميل فى نظرته

جبهتنا مرفوعة تستلهم الشموخ من جبهته

قبضتنا قوية تستلهم القوة من قبضته

أولانا قد رضعوا الحليب من ثورته

كان هوة القوة فى أعماقنا

واللهب الأزرق فى أحداقنا

والريح والإعصار والطوفان

ـ 5 ـ

كان هو المهدى فى خيالنا

وكان هو فى معطفه يخبئ الأمطار

وكان إذ ينفخ فى مزماره

تتبعه الأشجار

وكان فى جبينه سنابل وحنطة

وفى رنين صوته ما يشبه الأذان

وكان فى قدرته أن يطلع السنابل

ويجمع القبائل

ويستثير نخوة الفرسان

ويرجع الملك إلى بيت بنى عدنان

ـ 6 ـ

كان هو النجمة فى أسفارنا

والجملة الخضراء فى تراثنا

كان هو المسيح فى اعتقادنا

فهو الذى عمدنا

وهو الذى وحدنا

وهو الذى علمنا

أن الشعوب تسجن السجان

وأنها حين تجوع تأكل القضبان

ـ 7 ـ

يا ناصر البعيد قد أوجعنا الغياب

نمد أيدينا إليك كلما حاصرنا الصقيع والضباب

نبحث عن عينيك فى الليل ولا نمسك إلا الوهم والسراب

يا ناصر العظيم أين أنت ؟ أين أنت ؟

بعدك لا زرع ولا ضرع ولا سحاب

بعدك لا شعر ولا نثر ولا فكر ولا كتاب

بعدك نام السيف فى مرابه واستنسر الذباب

ـ 8 ـ

يا ناصر العظيم

هل تقرأ فى منفاك أخبار الوطن

فبعضه مغتصب .. وبعضه مؤجر وبعضه مقطع وبعضه مرقع

وبعضه مستسلم وبعضه ممزق وبعضه ليس له سقف ولا أبواب

يا ناصر العظيم لا تسأل عن الأعراب

فإنهم قد أتقنوا صناعة السباب

وواصلوا الحوار بالظفر وبالأنياب

وحاصروا شعوبهم بالنار والحراب

يا ناصر العظيم سامحنى فما لدى ما أقوله

فى زمن الخرا

الجمعة، 17 ديسمبر 2010

تتوافق نشرات الأخبار على قناة الجزيرة وقناة العربية في التوقيت، وأحيانا في المواضيع المتناولة، ونادرا ما تتوافق في طريقة التناول والتوظيف السياسي للحدث.. والساعة التاسعة من مساء الاثنين من الأسبوع الفائت -كنموذج لهذه النشرات- كانت القناتان حاضرتين في اليمن، إلا أن كل قناة حضرت بطريقتها، والقناتان على الدوام وبمهنية عالية تعكسان السياسة المرسومة لهما من قبل المؤسسين والممولين، وهما طرفان يخوضان -منذ سنوات- حربا باردة. واليمن صاحبة المبادرات لإصلاح الشرق والغرب لم تبخل بمبادرة تقدم -بموجبها- أرضها ساحة لصراع الطرفين.


الجزيرة اتجهت يومها جنوبا، والإضراب الذي نفذه الحراكيون في عدد من المديريات بالمحافظات الجنوبية أصبح -بحسب الجزيرة- إضرابا شاملا في جنوب اليمن!!

وضيفُ النشرة لم يكن أحدا من قيادات السلطات المحلية في تلك المحافظات، ولا أحدا من قيادات المعارضة في المشترك، ولا أحدا من المحللين المستقلين، ولا أحدا من الصحفيين أو مراسلي القناة، ولا أكثر من طرف يعرضون وجهات النظر المختلفة، بل كان الضيف هو الدكتور ناصر الخبجي -أحد قيادات الحراك المطالبين بالانفصال بلا قيد أو شرط أو حتى حوار!!

وهذا الاتجاه من قبل الجزيرة يعكس رغبة قطر في لعب دور في الجنوب سبق وأن طلبت الدوحة -بالتصريح أو التلميح- فرصة لأن تلعبه هناك، لكنها لم تجد من صنعاء ردا إيجابيا حتى اللحظة -فيما يبدو، وقد يستجاب لها قريبا في حال رفضت وساطتها مجددا، وذلك كنوع من الإرضاء تتلافى به صنعاء خطأ تكرار الرفض الجارح للوساطة.

والخبران التاليان -في هذا السياق- سمعنا بهما منفردين، وعند دمجهما في فقرة واحدة يعطيان دلالة لم تكن واضحة عند تناول كل منهما بشكل منفرد، مفاد الأول: رئيس الجمهورية بعد زيارته الأخيرة لدولة قطر يغادر الدوحة متجها مباشرة إلى حضرموت، ليقضي هنالك أياما حظيت إقامته خلالها بتغطية تلفزيونية وإعلامية واسعة وتفصيلية. ومفاد الثاني: أمير قطر يغادر صنعاء بعد زيارته الأخيرة لها، والرئيس علي عبدالله صالح يحزم حقيبته متجها إلى حضرموت ليقضي فيها أياما حظيت إقامته خلالها بتغطية تلفزيونية وإعلامية واسعة وتفصيلية!!

وعودا على بدء: الجزيرة اتجهت في تلك الليلة جنوبا للحديث عن الإضراب «الشامل»، وقناة العربية -من جانبها- يممت صوب شمال الشمال، وتحديدا حرف سفيان، وكان مضمون الخبر هو إطلاق الحوثي سراح مائتي جندي إثر وساطة قبلية ترأسها الشيخ حسين الأحمر الذي استقبل الجنود في منزله بحسب القناة وإن لم تظهر صورته عند اكتظاظ المجلس بهم. وضيف النشرة هنا لم يكن أحد قيادات السلطة المحلية في عمران، ولا أحد قادة الجيش، ولا أحد قيادات الحوثي، ولا أحد قيادات المشترك، ولا أيا من الصحفيين أو مراسلي القناة، بل كان الدكتور كمال البعداني -أحد المناهضين للحوثية بقوة وبصورة تفتقر للأخذ بالاعتبار تفاصيل الصراع الدائر أو الالتفات إلى الأيدي الخفية التي تدير الحرب والتي تشير إليها التقارير المحلية والدولية ويؤكدها كثير من المحللين في الداخل والخارج.

لم تسأل قناة العربية عن الاشتباكات التي وقع هؤلاء الجنود في الأسر على إثرها، ولا عن طبيعة المعارك الدائرة هناك، ولا غير ذلك مما ينتظر السؤال عنه مما يتعلق بمضمون القضية، بل سألت -وكررت السؤال عدة مرات- عن الشيخ حسين الأحمر الذي نجحت وساطته في إطلاق هذا العدد من الجنود؟ وعن الثقل الذي يتمتع به الشيخ حسين وتمكن به من إطلاق هذا العدد الهائل من الجنود؟ وإلى آخر تلك الأسئلة التي تدور جميعها حول الشيخ حسين ولا شيء سوى ذلك!!



ماذا وراء هذا الخطأ..!؟ العربية تتحدث عن الشيخ «حسن الأحمر»..

وقعت القناة في خطأ تكرر أكثر من مرة في تلك النشرة، حيث كان المذيع يسأل عن «الشيخ حسن الأحمر» وليس «حسين»، وهكذا كتب اسمه على الشاشة فيما يعرف بالـ «كبشَن». وهذا الخطأ ليس عابرا يتطلب منا تجاوزه، بل وراءه دلالة مؤكدة، وهو أن السؤال عن ثقل الشيخ حسين الأحمر لم يكن نابعا من قناعة المذيع ولا متابعته لأخبار الشيخ حسين ونشاطاته، ولا نابعا من قناعة المعدين والمحررين في قسم التحرير ومتابعتهم لأخباره وأنشطته، فلو كانوا على قناعة بشيء من ذلك أو يتابعون نشاطه لكانوا قد عرفوا اسمه ولما وقعوا جميعا في خطأ نطق اسمه. ولو نطقه المذيع «حسن» وكتب على الشاشة «حسين» لقلنا إنه خطأ المذيع، ولو نطقه المذيع صحيحا وأخطأ الطباع في كتابته على الشاشة لقلنا خطأ مطبعي، أما وقد اتفق الطرفان على خطأ الاسم كتابة ونطقا وبصورة متكررة، فالمعنى أنهم لا يعرفون الشيخ حسين ولا سمعوا به، وإنما -فقط- وصل اسمه على الفاكس أو التلفون والشخص الذي استقبل المعلومة لم ينتبه جيدا للاسم وعممه على الجميع في الاستوديو وخارجه، وطلب منهم في تلك الرسالة التي تضمنت اسمه أن يروجوا له رغم أنهم سمعوا به تلك الليلة لأول مرة!!

هذا الخبر الذي تجاهلته الجزيرة، توقفت العربية عنده طويلا، والهدف واحد: إثبات ثقل الشيخ حسين. لكن القناة قبل أن تثبت ثقله وتحقق الهدف المطلوب، أثبتت أمورا أخرى على قدر من الأهمية وجميعها ظلت تتحاشاها على امتداد فترة تغطيتها لقضية صعدة، فقد أثبتت أولا -وبالصوت والصورة- صحة المعلومة المتعلقة بأسر الحوثي لمائتي جندي، وهي المعلومة التي تضاربت حولها التصريحات الرسمية. وأثبتت للرأي العام الداخلي والخارجي أن الحوثي أقرب إلى تقديم التنازلات وأحرص على السلام، إذ ليس من السهل أن يسلم مائتي جندي من الحرس الجمهوري بهذه البساطة وقبل أن يستثمر أسرهم كورقة ضغط هي -بالنسبة للمتعارف عليه في دول العالم- أكثر الأوراق ربحا!! والأمر -في حقيقته- إنجاز تستطيع أبسط وساطة تحقيقه، ذلك أن الحوثي يخشى -أولا- التبعات المستقبلية المحتملة لبقاء هؤلاء المئات عنده وأن يتعرضوا لموت جماعي على غرار ما حدث مرتين خلال الحرب السادسة، إذ أعلن في المرة الأولى وفاة نحو (200) جندي دفعة واحدة جراء تعرضهم للقصف -كما قال- ثم أعلنت وسائل الإعلام وفاة قرابة ضعف هذا العدد دفعة واحدة أيضا، وجميعهم من الأسرى لديه.

ويدرك الحوثي أن بقاء هؤلاء لديه ينشئ ضده حقدا مجتمعيا، ذلك أنهم -بهذا التعداد- يمثلون عشرات القبائل والمناطق اليمنية، وهو في مرحلة غدا فيها يفكر جيدا بأي تصرفات من هذا القبيل تثير ضده الحقد المجتمعي الذي يُعقّد عليه المهمة في المستقبل. ويعلم الحوثي يقينا أن السلطة لا تهتم لهؤلاء المئات من الجنود إذ تتعامل بمنطق «الجندي بداله جندي»، وبالتالي فإن أسر العشرات أو المئات أو الآلاف من الجنود، كله سواء ولا يشكل ورقة ضغط، وإنما قد يحرص على استبقاء واحد منهم لو كان هذا الواحد من القيادات الكبيرة أو المتوسطة التي تنتمي للقبائل الكبرى ذات التأثير الكبير في السلطة، فهؤلاء فقط هم الذين يمكن استثمار أسرهم واستخدامهم ورقة ضغط تفاوضية رابحة، أما سواهم فليس له من بقائهم -إضافة إلى النقاط السابقة- إلا متاعب حراستهم وتوفير متطلباتهم من الأكل والشرب والدواء والعلاج والهم والهرم.. إلخ!!

وهذه النقطة الأخيرة هي الأقل أهمية من بين مبررات إطلاقهم، لكنها تتعاضد من النقاط السابقة لتشكل -في مجملها- مبررات منطقية تدفعه للتخلص من الجنود الأسرى بأي شكل، فكيف وقد توفر له إطلاقهم استجابة لوساطة قبلية يستفيد منها سياسيا وإعلاميا، وقد شهدنا قبل أشهر كيف أطلق عشرات من الجنود المنتمين للمحافظات الجنوبية وكيف استثمر ذلك سياسيا وإعلاميا، وقد أطلقهم من تلقاء نفسه بغير وساطة، لا ثقيلة ولا خفيفة!!

لا أريد بهذه الأسطر أن أنفي صفة تمتع الشيخ حسين الأحمر بالثقل السياسي والاجتماعي، فالمعروف أنه أصبح الأثقل من بين أبناء الشيخ عبدالله بن حسين ومشائخ حاشد، سواء سياسيا أو اجتماعيا أو من حيث علاقاته بالإقليم. وإنما الهدف هو الإشارة إلى تعسف قناة العربية في إضفاء هذه الصفة عليه، وهو ما يبدو مطلبا سعوديا واضحا وجليا، وهذا هو محل الشاهد ومربط الفرس وبيت القصيد!!



الوكيل الحصري للمملكة فـي اليمن

لقد حاولت السلطة منذ انتهاء الحرب السادسة أن تضرب العلاقة القائمة بين مشائخ حاشد والمملكة العربية السعودية لترفع عنهم الدعم المالي والسياسي الذي يعتمدون عليه اعتمادا يكاد يكون كليا، ودفعت بعدد من مشائخ بكيل للقاء بالعاهل السعودي وولي عهده وتوسطت لترقيتهم وتثبيتهم في كشف الراتب بعد عقود ظل أكثرهم -خلالها- يعمل «بالقطعة» وفق نظام الأجر اليومي، أو وفق نظام التعاقد!! ويبدو أن ذلك لقي قبولاً لدى المملكة، لكن تلك الخطوة لم تأت على حساب حاشد كما أرادت صنعاء، إذ زادت الرياض تمسكها بحاشد كحليف تاريخي وتحديدا بالشيخ حسين الأحمر الذي يشق طريقه ليغدو الوكيل الحصري للمملكة في اليمن خلفا لأبيه، ذلك أن الشيخ صادق ورث عن أبيه توافقا وعلاقة جيدة مع كل الفرقاء، لكن الواقع باعد بين هؤلاء الفرقاء حتى أصبح الجمع بين ودّهم ضربا من المستحيل، فلم يستطع المفاضلة بين هذه الأطراف والانحياز -بالتالي- إلى طرف على حساب البقية، فكانت هذه الحيرة كفيلة بقتل روح المبادرة لديه وبتقييده عن الفعل السياسي المؤثر على المشهد، ولهذا نجده في الصفوف الأولى مع أعمدة النظام كلما دعوه إلى فعالية يرون وجوده فيها مهما بالن

سبة لهم، ونجده في الصفوف الأولى في المؤتمرات والفعاليات الكبرى التي ينظمها التجمع اليمني للإصلاح، ونجده في الصفوف الأولى في ملتقيات السلفيين، وفي الصفوف الأولى في ملتقيات علماء اليمن. وهو -في كل ذلك- لا يهدف -كما أتصور- لأكثر من استرضاء الجميع حفاظا على الود القديم، غافلا عن أن «رضا الناس غاية لا تدرك»، وأن التوسع وفق رؤية وتحت لافتة المشروع الوطني هو أول وأهم أدوات الحفاظ على الموجود.

والأمر لا يختلف كثيرا عند الشيخ حميد الأحمر، فالرجل الذي لمع نجمه في انتخابات 2006م وظهر -حينها- كصاحب فعل ومبادرة، سرعان ما وقع في أسر حيلة نفسية إذ وجد في «اللجنة التحضيرية للحوار الوطني» دولة تملأ شعوره ورغبته في الحكم، وهو -في الحقيقة- قد ظل على امتداد عمل هذه اللجنة يدور في ذات الإطار لم يتجاوزه إلى أبعد. والثلاثة (صادق، وحميد، وحسين) يدورون مثل كرات الثلج، فالأخير يدور مثل كرة الثلج في مكان بارد ومفتوح ويزداد حجم الكرة مع كل دورة وإن كانت هذه الكرة على الدوام تحت سيطرة الأخ الرئيس، والثاني يدور مثل كرة الثلج في مكان مغلق وساخن، وهذه الكرة ينقص حجمها مع كل دورة، والأول في حال وسطى وأداؤه أشبه بأداء الأحزاب التي لا تزيد حركتها عن إثبات الحضور معتقدة أنها تحافظ على الموجود وهي في الحقيقة تقف بانتظار ما سينجلي عنه الغبار.

انضم الشيخ حسين إلى لجنة الحوار الوطني التي يقودها أخوه حميد من موقعه كأمين عام، ولم يكن ذلك الانضمام عن قناعة بقيادات اللجنة ولا بمشروعها الذي حددته الأحزاب، ولا حتى بمشروعها الذي حددته الأشخاص، بل كان انضمامه إليها انعكاسا للعلاقة بين الرياض وصنعاء التي تزداد سوءا يوما بعد آخر منذ انتهاء الحرب السادسة في صعدة.

ومؤخرا، وقعت الأحزاب اتفاقاً على الحوار مع السلطة، وهو ما لا يرغب فيه الشيخ حميد إذ في هذا الاتفاق ما ينتزع منه دولته المصغرة التي وجد فيها ذاته، ولا يرغب فيه الشيخ حسين باعتبار أن المملكة ما زالت بحاجة إلى وقت تلاعب فيه السلطة، خاصة بعد استقدامها لوساطة الدوحة.

ولو كان الشيخ حسين ومعظم أصحابه في مجلس التضامن يريدون التحاور مع السلطة خلال هذه الفترة لتحاوروا معها من غير حاجة إلى لجنة الحوار ومن معها من الأحزاب، وهم أقرب إليها. ولهذا لم يدرج اسم حسين ضمن المائة شخص الذين تقدمت بهم أحزاب المشترك، وأحسب أن الشيخ حميد لعب دورا بارزا في استبعاده على أساس أن حميد وحسين إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا، بمعنى: عندما يكونون في تكتل واحد يظهر بينهم التنافس والخلاف والتنازع، وإذا تباعدت تكتلاتهم دعم كل منهما الآخر بحكم الرابطة الأسرية.

ولهذا، أي لأن الشيخ حسين لا يرغب في الجلوس حاليا على طاولة المفاوضات مع السلطة باعتبار أن السعودية لا تريد ذلك، أو هكذا فهم الشيخ حسين رغبتها، فقد ظهر «مشرفا» على كيان جديد حمل اسم «ملتقى أبناء صعدة للإخاء والسلام والبناء»، ووضع الملتقى لنفسه عدة أهداف يعمل من أجلها، والهدف التاسع منها جاء ينص على أنه «يتعامل أبناء صعدة ومشائخها مع أي خلافات لا يستطيعون حسمها بالحوار والصلح بموجب قوله تعالى (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين)». والبند واضح وضوح الشمس في رابعة النهار: الفئتان اللتان لا يستطيعون التوفيق بينهما فإنهم مباشرة سيخضعون الباغية منهما بقوة السلاح بموجب الآية (فقاتلوا التي تبغي). يريدون أن يقولوا: هكذا أراد الله. لكنهم لم يقولوا ذلك صراحة. وأريد أن أقول: هكذا أرادت المملكة. لكني لن أقول ذلك صراحة!!

هذا الكيان الذي ظهر على رأسه الشيخ حسين بصفة «مشرف»، ويشغل فيصل مناع منصب الأمين العام فيه، قد سبقه بأيام ملتقى آخر حمل اسما مشابها برئاسة فارس مناع في صعدة، وحدد أهدافه بدراسة قضايا الصراعات القبلية، ومن ثم النزول الميداني لحلها.. ودراسة الإمكانيات المتاحة لتنمية الموارد الطبيعية وتحسين طريقة استخدامها عبر تشجيع المواطنين على بناء السدود وتحديد محميات طبيعية لزراعتها بالأشجار وتنظيم عملية استخدام المراعي لرفع مستوى مردودها واستغلال الموارد الزراعية التي تزخر بها المحافظة وتسويقها ودعمها والاهتمام بالثروة الحيوانية..».

وبالنظر إلى هذه الفقرة، فإن هذا الملتقى قد أسند لنفسه مهام الدولة، وأي منطق هذا الذي يتحدث به كيان سياسي أو قبلي -مهما علا شأنه- ويزعم فيه أنه سيتولى قضايا الجسور والسدود والزراعة والمحميات الطبيعية والثروة الحيوانية ومسح قضايا الثأر وحلها..!؟

إنهم يريدون أن يفعلوا شيئا لكنهم لا يعرفون ما هو؟ أو يعرفون لكنهم يخفون مرادهم وراء لافتة البناء والتنمية، أو إنهم يريدون -بذلك- أن يملؤوا خانات «فواتير المطالبة»، أو ربما أن ذلك ليس إلا شطحة من شطحات العقل الجمعي حين تتزاحم الأكتاف في الخيام فيحسب القوم من كثرتهم أنهم غدوا قوة تخرق الأرض أو تبلغ الجبال طولا.. وقد يكون كل ذلك صحيحا، كما قد يكون كل ذلك خطأ باستثناء النقطة المتعلقة بـ»فواتير المطالبة»!!

ab_shamsan@hotmail.com



عاشورا

يحتفي المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها في هذا اليوم العاشر من محرم بصيام يوم عاشوراء وقد حث الحبيب المصطفى، صلى الله عليه وسلم، على صيام هذا اليوم على وجه الاستحباب لا الوجوب.




شرع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، صيام هذا اليوم والاحتفاء به بعد أن بلغه أن اليهود يصومون هذا اليوم ويحتفون به على اعتبار أنه اليوم الذي أنقذ الله فيه موسى، عليه السلام، وأهلك فيه «فرعون» وجنوده، فما كان من الحبيب المصطفى، صلى الله عليه وسلم، إلا أن أعلن أنه أحق بأخيه موسى من اليهود، فصام هذا اليوم، وأصبح صيامه من السنن الثابتة عند المسلمين، وروى البخاري ومسلم عن ابن عباس، رضي الله عنه، أنه قال: (مارأيت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، صام يوماً فتحرى فضله على الأيام إلا هذا اليوم يعني «عاشوراء».



إن احترام الإسلام للأنبياء والأديان يؤكد الحقيقة الإسلامية الخالدة التي أكدها الحبيب المصطفى، صلى الله عليه وسلم، في قوله: (الأنبياء إخوة ودينهم واحد).



يوم عاشوراء يوم من أيام الله أراد له الخالق عزوجل أن يكتنز الكثير من الابتلاءات المرتبطة برحلة الصراع من أجل الحرية.. يقلب الله لنا فيه الابتلاءات بالشر والخير فتنة. فكما ارتبط هذا اليوم بذكرى نجاة موسى عليه السلام ومن معه من المستضعفين «ونريد ان نمن على الذين استضعفوا ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين» ارتبط هذا اليوم أيضاً بذكرى استشهاد الحسين رضي الله عنه .



و إذا كان الخالق عز وجل قد أكرم الإمام الحسين بالشهادة وجعله رمزاً من رموز النضال من أجل الحرية فإن فتنة الابتلاء باستشهاده لا تزال تجلياتها حاضرة في كل ذكرى تمر موردة بالدماء محفوفة بمخاطر شتى .. ولا يزال التوتر بعد ألف وأربعمائة عام سيد الموقف، لا سيما في تلك البقعة التي استشهد عليها الحسين.



وما تلبث الدلالات المتفجرة أن تتحول بين لحظة وآخرى إلى دوي تفجيرات مرعبة وأنهار من الدماء تسطر على كل جدار في كربلاء تخلفنا وهمجيتنا واخفاقنا في مواجهة ابتلاء الشر والخير.



هذا الإخفاق يؤكد حاجتنا الماسة إلى مراجعة الذات وتحريرها أولاً،ولعل هذا هو الدرس الذي أراد الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم أن يعلمنا إياه عندما أمرنا بالصيام في هذا اليوم على وجه الاستحباب لا الوجوب.فالصيام تدريب للاستعلاء على نزوات الذات ورغباتها الفوضوية والتي تستعبد الإنسان ومن سمات الإنسان الحضاري كما يحددها علماء الاجتماع قدرته على السمو يقول جان جاك روسو في كتابه العقد الاجتماعي « الحرية المعنوية هي وحدها التي تجعل من الإنسان سيد نفسه حقيقةً ، إذ أن نزوة الشهوة وحدها هي عبودية وإطاعة القانون الذي نسنَه لأنفسنا هي حرية».



هذه ثلاثية عاشوراء ثلاثية الحرية المتعانقة لا المتفارقة ثلاثية توحيد وتحرير لا تفريق وتناحر فمتى نرتقي للتعامل مع هذه الابتلاءات بعقلية حضارية تستلهم الدرس وتنتصر على همجية نوازع النفس؟!



&< تأسيس قواعد التعايش



لم يكن الهدف من إقرار الإسلام للأشهر الحرم التأكيد فقط على تحريم الدماء في أيام معلومة وأشهر معلومات، ولكن الإسلام أقر هذه الحرمات للتأسيس لقواعد التعايش الدائم في المجتمع الإسلامي بين المسلمين و مع غيرهم. وكان حقن الدماء وتأجيل الثارات في أشهر معلومات بمثابة القاعدة التأسيسية للسلام الدائم وهذا ما أكده رسول المحبة والسلام عليه السلام في خطبة الوداع حين قال: ألا إن أحرم الأيام يومكم هذا. ألا وأن أحرم الشهور شهركم هذا. ألا وإن أحرم البلد بلدكم هذا. ألا وإن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا».فحرمة الدماء حرمة دائمة والتأكيد على التحريم في أيام معلومة ينصرف بدرجة رئيسية إلى تحريم دماء المعتدين علينا من أعدائنا الذين بادرونا في القتال في غير الأشهر الحرم فالأسلام يوجهنا لتأجيل الاقتصاص إلى ما بعد الأشهر الحرم فهي هدنة مؤقتة نحترمها إذا احترمها غيرنا، وقد تعارف العرب على حرمة هذه الأشهر كتقليد توارثوه من بقايا الحنيفية الابراهيمية، فأكد الإسلام أهمية احترام هذه الحرمة التي أخذت طابع العقد الاجتماعي بصيغة التوافق العرفي وكان الغرض تأمين حركة تنقلات الناس وسفرهم في المواسم الدينية والتجارية سواءاً كانت خاصة بالمسلمين أو غيرهم ولو تأملنا الأشهر الحرم لو جدنا منها ثلاثة متواليات ذو القعدة وذو الحجة ومحرم ورابع منفرد هو شهر رجب يأتي بعد مضي خمسة أشهر من الثلاثة الأولى وهذا يعني أن هده الأشهر تمتد مع تنوعات فصول السنة لتتناسب مع إختلاف مواسم التجارة والزراعة و كان الغرض المعلن في بداية التشريع من تحريم شهر رجب احترام المناسك الدينية لقبيلة مضر التي كانت تؤدي مناسك العمرة في هذا الشهر ويمكن أن نفهم من ذلك أهمية احترام المسلمين لأي مناسك دينية يؤديها المسلمون أو غيرهم في أيام محددة من السنة وتأجيل ثاراتنا مع أي طائفة دينية في أيام مناسباتهم الدينية فلو افترضنا أن دولة مسيحية اعتدت على دولة مسلمين قبل أعياد الميلاد، فهل من المنطق الموافق لقياس الأشهر الحرم أن نعلن الجهاد على هذه الدولة في أعياد الميلاد إذا أوقفت الدولة المعتدية هجومها على المسلمين هذه الأيام.وإذا اعتدت دولة ينتسب معظم سكانها إلى المذهب الشيعي ، فمن الوجب الديني والإنساني احترام أيام المناسبات الدينية في هذه الدولة كأيام عاشوراء مثلاً وتأجيل خلافاتنا معها في هذه الأيام، وإذا أقرت الأمم المتحدة هدنة دولية في مواسم معينة فما الذي يمنع المسلمين من المبادرة إلى احترام هذه الهدنة وتأجيل ثاراتنا مع من ظلمنا، أليس هذا ما ينبغي أن نفهمه من الآيات الأتية التي نزلت بعد فتح مكة في آخر مرحلة من مراجل التشريع:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ } ابتدأت الآيات بالتأكيد على أهمية احترام العقود والتوجيه هنا لا ينحصر في عقود معينة ولكنه يحمل صفة العمومية المطلقة مما يعني أهمية الوفاء بالعقود والمواثيق الاجتماعية التي يتعاقد عليها الناس بتوافقهم الاختياري وقد خاطبتنا الآية بصفتنا مؤمنين وفي ذلك تأكيد أن الوفاء بالعقود هو مقتضى الإيمان الحق ومن العقود التي يجب أن نحرص على الوفاء بها، مواثيق العقود الدستورية التي توافق عليها الناس وطورتها البشرية للحد من طاغوتية الحاكم الفرد،ولإرساء قواعد التعايش بين البشر، ولتحقيق العدالة التي أمر بها الله في كل الديانات السماوية وناضلت من أجلها الفطرة البشرية وطورت السياجات الرادعة لتغول الطغيان وتكبيل السلطة المطلقة فما بعث رسولنا الكريم إلا لتتميم مكارم الأخلاق و قد أكد أنه لو دعي إلى حلف الفضول في الإسلام لأجاب والأنبياء إخوة ودينهم واحد وما كان نبياً الكريم بدعاً من الرسل ولسنا أمة تعيش خارج السياق التاريخي والثقافي البشري فللمسلمين امتدادهم الشرعي مع سائر أتباع الملة الإبراهيمية وامتدادهم الفطري مع سائر الثقافات البشرية وللمسلمين موجهاتهم الضابطة وأهما الحرص على تجسيد قانون العدل ومحاربة الطاغوت. وبعد أن عدد النص القرآني بعض أنواع العقود التي يجب على المسلمين الوفاء بها قال تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ} والقلائد كما جاء في بعض كتب التفسير هي ما كان يتقلد به من يريدون الأمان من ثأر أو عدو أو غيره ; فيتخذون من شجر الحرم ما يتقلدون به , وينطلقون في الأرض لا يبسط أحد يده إليهم بعدوان، ونستطيع أن نضيف إليها بالقياس من يرفعون الريات البيضاء والاستئمان الرسمي بالوثائق الدبلوماسية وما أشبه ذلك،



واختتمت هاتان الأيتان بقوله تعالى{لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ }ولا أجد تفسيراً لهذا الأية أجمل من تفسير سيد قطب ومن الجميل أن أختتم هذه التناولة بهذه العبارات المرفرفة لصاحب الضلال يقول سيد رحمه الله:



«وفي جو الحرمات وفي منطقة الأمان , يدعو الله الذين آمنوا به , وتعاقدوا معه , أن يفوا بعقدهم ; وأن يرتفعوا إلى مستوى الدور الذي ناطه بهم . . دور القوامة على البشرية ; بلا تأثر بالمشاعر الشخصية , والعواطف الذاتية , والملابسات العارضة في الحياة . . يدعوهم ألا يعتدوا حتى على الذين صدوهم عن المسجد الحرام في عام الحديبية ; وقبله كذلك ; وتركوا في نفوس المسلمين جروحا وندوبا من هذا الصد ; وخلفوا في قلوبهم الكره والبغض , فهذا كله شيء ; وواجب الأمة المسلمة شيء آخر . شيء يناسب دورها العظيم:



(ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا . وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان . واتقوا الله , إن الله شديد العقاب). .



إنها قمة في ضبط النفس ; وفي سماحة القلب . ولكنها هي القمة التي لا بد أن ترقى إليها الأمة المكلفة من ربها أن تقوم على البشرية لتهديها وترتفع بها إلى هذا الأفق الكريم الوضيء.



إنها تبعة القيادة والقوامة والشهادة على الناس . . التبعة التي لا بد أن ينسى فيها المؤمنون ما يقع على أشخاصهم من الأذى ليقدموا للناس نموذجا من السلوك الذي يحققه الإسلام , ومن التسامي الذي يصنعه الإسلام . وبهذا يؤدون للإسلام شهادة طيبة ; تجذب الناس إليه وتحببهم فيه» .





*الصحوة نت

حوار في الاسلام والعلمانيه للدكتولراحمد الدغشي














































ابحث





بحث متقدم













































--------------------------------------------------------------------------------



حوار في الإسلام والعلمانية-الحلقة الثالثة

08/10/2010

أ.د. أحمد محمّد الدَّغَشِي-*







العلمانية ليست حلَّاً سحرياً لمجتمعاتنا



تتلخص فكرة هذه الحوارية في تعقيب أحد الأصدقاء ويرمز له باسم ناصر على كاتب هذه السطور بعد حوار صحافي على صفحات (الناس) تناول جملة من قضايا الفكر والتربية و بعض إشكالات العمل الإسلامي، فكانت هذه المحاورة للصديق ناصر في سلسلة حلقات، متمركزة حول العلمانية وما إذا كانت مخرجاً لمجتمعاتنا أم كارثة جديدة!



تساؤلات مشروعة:

ولك الآن أن ترجع بفكرك بعيداً لهذه الممارسة التاريخية ذات الأهمية البالغة، كي تستنتج من خلالها أن لا مشكلة جوهرية بين الممارسة(الديموقراطية) التي أحبذ وصفها شخصياً بـ(الشوروية)، وبين ما تنادي به -كما آخرون- من ضرورة التفويض الشعبي...إلخ بيد أن ذلك لايؤذن باستعارة كاملة للنموذج الغربي(الديموقراطي)، إذا ما أدركنا حقيقة الذات قبل الانبهار بحقيقة الآخر. واسمح لي أن أصارحك القول - وأنت أخ سبَّاق إلى ذلك- : إن مشكلة المشكلات عندنا ضعف إدراكنا بحقيقة الذات من خلال معين القرآن الكريم وصحيح السنة المطهرة، قبل أي مصدر آخر. وأدرك أنك ستبادر إلى القول ولكن وفق فهم أي مدرسة أو مذهب، وهنا أرجو أن تصلك نسخة من دراسة سابقة لأخيك حول إشكال من يمثل الإسلام؟ تلك التي صدرت قبل أكثر من عامين عن مركز الناقد الثقافي بدمشق، مع جملة دراسات أخرى، بهذا العنوان.؟ واسمح لي فقط الآن أن أذكّر بجزئية منها فيما يتصّل بظاهرة المدارس المتعارضة، فهذه حقيقة ثابتة – أعني التعارض والاختلاف حتى في الأصول والكليّات- في كل الأديان والفلسفات والمدارس والأفكار والاتجاهات الدينية والسماوية، العلمانية والأرضية، المؤمنة والملحدة، غير أن ذلك لايؤذن لدى أيّ منها بضياع الحقيقة، أوبسلامتها جميعاً، من حيث السويّة في الفكر أو الاستقامة في المنهج، وإلا فأنت تعلم -قبل غيرك- أن الديمقراطية ألوان شتّى، وأن الاشتراكية كذلك مذاهب قِدداً، بل العلمانية – أيها العزيز- نماذج وصور فيها من التناقض والاحتراب أحياناً ما لايخفى على مثلك، فهل العلمانية الفرنسية كالبريطانية كالأمريكية – على سبيل المثال- ؟ بالقطع ليست كذلك؟ وها أنت ذا تدعو للأخذ بهذا النموذج فأي النماذج تعني؟ وهلاّ وقفت مع نفسك وقفة تساؤل علمية موضوعية صادقة- كعهدي بك- أيّ النماذج نأخذ؟ ومن الذي يمنح واحدة منها المشروعية ويحرم سواها؟وكيف سنواجه من سيعارض النموذج المختار من قبل فئة، نفذت إلى السلطة، بأي طريقة، مشروعة أو غير مشروعة، أو تمكنّت من إقناع صانع القرار بالعلمانية؟ على افتراض أن ذلك أمر ممكن الورود، ولن يواجَه من عموم المجتمع المتديّن، بانتفاضة أو ثورة شعبية شاملة؟ أرجو أن لا تقول لي فقط: مهما يكن الأمر فليس أحد يدّعي لأي منها قداسة السماء، بخلاف اختلاف (المتديّنين)، حيث يدّعي كل منهم وصايته على الدين باسم السماء. ولئن قلت لي ذلك أولم تقل فلا أستبعد أن يقول ذلك بعض من قد يطلّع على حوارنا، أو من يؤمن بالعلمانية كـحتمية (دوغماء) لاتقبل سوى الانصياع والإذعان. وحينها أجدني مضطرّاً لأن أسترسل فأذكّر بأن ليس لأحد أن يصف الفكر الإسلامي الوسطي{ وكذلك جعلناكم أمّة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً}(البقرة:143) بصفات التحدّث باسم السماء، أو أن يشبّهه بالحكم الديني الثيوقراطي الكهنوتي(الكنسي) الذي حدث في أوروبا على مدى قرون متطاولة، على يد رجال الديّن هنالك، ذلك أنه وإن وجد عندنا من قد يمارس مسلك (البابوات) و(رجال الدّين)؛ فإنّه يمثل وضع الشذوذ، وإلا لما كان لسان حال الأئمة العظام ومقالاتهم كالأئمة الأربعة وسواهم تؤكّد أن ليس للعالم أو المفتي أن يجزم بالحل والحرمة في كل مسألة تعرض له، وإنما يقدم رأيه وفهمه لا أكثر ولا أقل، ولولا خشية الإطالة لأوردت عليك بعضاً من ذلك، لكني جمعت بعض أقوالهم في هذا الباب في دراستي المشار إليها في كتاب( من يمثل الإسلام؟)، وحسبي في هذا السياق الإشارة إلى ذلك التوجيه النبوي العظيم الذي يخاطب فيه النبي – صلى الله عليه وآله وسلّم- قادته العسكريين – على سبيل المثال – بقوله: ( ........ وإنك إن حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله، فلا تنزلهم على حكم الله، ولكن أنزلهم على رأيك، فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا )(مسلم، صحيح مسلم (بشرح النووي) ، كتاب الجهاد والسير، باب تأمير الإمام الأمراء على البعوث ووصيته بآداب الغزو وغيرها عن بريدة بن الحصيب، د.ت ,د .ط , القاهرة المكتبة الأميرية ومطبعتها، جـ 12 ص39 – 40). فالاتجاه الغالب – أيها العزيز- في كل عصر هو اتجاه الوسطية الإسلامية، أي السواد الأعظم من المسلمين، من مختلف المذاهب والطوائف المعروفة بـ(أهل القبلة)، استناداً إلى الحديث الصحيح الذي أخرجه البخاري عن أنس بن مالك" من صلّى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا، فهو المسلم الذي له ذمّة الله ورسوله"، وهذا الاتجاه يبرأ في مجمله من ذلك المسلك (البابوي) الشائن، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فذلك الوصف ذاته أعني احتكار الحقيقة والتحدّث باسم المطلق والنهائي؛ ينطبق على الاتجاه العام لـ (العلمانية)، من حيث التطبيق والواقع، في الغالب الأعم، لا من حيث الشعار والإعلان، ولا يعنيني أكثر من الأول، ذلك أن الشعار مالم يجد له مصداقية مجسّدة لأحقيته كاتجاه عام أو غالب يظل شعاراً فارغ المحتوى والفاعلية. وكي لا نقع في ازدواجية المعايير فإنك إن قلت لي: الأخطاء في التطبيق لاتعني فساد النظرية ضرورة فسأجيبك لماذا تستقيم هذه القاعدة في اتجاه العلمانية ولاتستقيم في اتجاه الفكر الإسلامي، مع فارق جوهري لصالح الفكر الإسلامي يكمن في أنّه ظل فاعلاً مؤثّراً – بأقدار متفاوتة- طيلة أكثر من أربعة عشر قرناً على حين أن كل المقدّسات والأيديولوجيات (الوضعية) تلاشت في بضعة عقود، ولم يبق لها سوى نخب متناحرة غالباً، معزولة عن الفاعلية والتأثير المجتمعي، وما ظل منها حاكماً فقد نُسخت نظريته عملياُ، ولم يبق من جوهر الفكرة الأصلي سوى العنوان، أمّا تطبيقها فلايقارن بتطبيق النظرية السياسية الإسلامية، على مدى القرون السابقة، أيّاً ماشاب بعضها، من خلل أو انحراف، ولعلك تلاحظ معي أنّ كل الضربات التي وجّهت للإسلام؛ لم تقض عليه بل زادته قوّة إلى قوّته، إذ يخرج كل مرّة، أكثر قوّة وصلابة من السابق، كالذهب الذي لا تزيده قوّة الطرق إلا لمعاناً، ولك أن تلاحظ هذا في حجم التآمر على الإسلام في أيامنا داخلياً وخارجياً، مع ما يعلمه الجميع من الوضع البائس للمجتمعات الإسلامية، وذلك يؤكِّد أن قوّة الإسلام الذاتية المستمدة من قوة أساسه، وثراء ينبوعه هي المحكّ الفاصل بينه وبين كل الأيديولوجيات والمقدّسات البشرية؟!!!

مفارقة : المقدّس الديني أم العلماني؟

* ما يوصف بالمقدّس((Sacred الديني ليس المشكلة الكبرى حقيقة، بالقدر الذي يؤكّد أن إحلال العلمانية ليس الحلّ السحري لمجتمعاتنا. ومع التأكيد على أن الاستبداد والعسف والطغيان قد يرد تحت دثار الدِّين أو العلمانية؛ لكن المفارقة التي ينبغي أن لانمرّ عليها مرور الكرام تشير إلى أمر غاية في المفارقة، ذلك أن كل من أراد أن ينال من المقدّس إنما يشير إلى المقدّس الديني، دون غيره من مقدّسات العلمانية، على حين أن كل الشواهد تدلّ أن أبرز الطغاة الذين حكموا العالم المعاصر الشرقي والغربي أغلبهم إن لم يكن جميعهم ممن ينتمون إلى تيار العلمانية، وليس التيارات الدينية، وإذا كنتُ جريئاً فأذكر بعض رموز العلمانية الشيوعية السوفيتية أو الغربية أو الصينية أو سواها كاستالين ولينين وهتلر وموسوليني، أو ماوتسي تونج وحتى بوش الابن، وسواهم من مختلف القارات والبلدان، غير أني أصدقك القول: إني لا أجرؤ أن ألمِّح إلى بعض (المقدّسات) العربية العلمانية– كي لا أفقد بعض أصدقائي وربما بعض قرّائي- ذلك أن حجم الهالة وضخامة التقديس بل (إخلاص العبادة) على الطريقة العلمانية طبعاً، تلك التي صنعت حولهم هالة (الكهنة)، بحيث لا يسمح بانتقاد أو حتى إبداء ملاحظة لدى بعضهم، تحول دون ذلك التصريح، أو الجبن – إن شئت الدّقة- !! ورحم الله الراحل العزيز حميد شحرة الذي أشار في ذات مقال بمجلة نوافذ إلى أن كثرة الحديث عن المهدي المنتظر لابد له من مراجعة، إذ لا يعقل أن يظهر المهدي – وفق مذهب المؤمنين بقدومه- في عالم لايزال يقدّس أمثال الرمز فلان وفلان وهم على غير منهج المهدي قطعاً(وعدّد شخصيات مقدّسة عند اليمين واليسار)، فلم يغفر له بعضهم وجهة نظره، بل لقد قال لي رحمه الله في ثنايا استغرابي لسرّ ذلك الهجوم العنيف عليه: أتدري ممن أتى أقسى الردود؟ فسألته ممن ياتُرى؟وظننت أنّه سيشير إلى أحد المراهقين المتهوّرين، لكنه ذكر لي شخصية يسارية مسنّة نسبياً، يعلو سمتها الظاهري الوقار، واشتهرت منذ سنوات بالتنسّك والزهد، ذلك أن (حميداً) مسّ مقدّسه (الفرد)!!

فبالله عليك – عزيزي ناصر- ما المقدّس في أعلى درجات الغلوّ إن لم يكن ذلك تقديساً للعباد، لكن تركيز بعضنا السلبي –للأسف- على المقدّس الديني وحده، أفقده التوازن، وراح يجري وراء سراب (مقدّس) لاشعوري هو العلمانية ؟!

بتعبير آخر أليس مثيراً للعجب حقّاً أن يأتي من يعمل على إقناعنا اليوم بأن سبيل التحرّر من القمع وانتهاك الحقوق والحرّيات، وإخراجنا من دائرة الاستبداد والظلم والتخلّف إنما يكمن في إعلان موقف رافض للدين بمفهومه الحضاري الشامل، واستيراد (دين) بِدْعي غريب جديد على مجتمعاتنا–وإن لم يعترف بذلك أنصار العلمانية لكن العبرة بالتطبيق لها كمنهج حياة-.

يقول المفكّر المصري رفيق حبيب ( وهو من عائلة مسيحية شهيرة في مصر) :" والحق أن العلمانية ليست التعبير الدقيق فالفكرة والكلمة في القاموس الغربي هي الدنيوية في مقابل الدينية، وهي أيضاً غير المقدّس في مقابل المقدّس . ومن هذه الرؤية تم نزع الضمير عن العقل وأصبح الأخير مرجعه بيولوجياً ومادياً، لأن العقل هو أكثر جهاز بيولوجي متقدِّم ووظيفته أصبحت تحقيق الّلذة البيولوجية ، لذلك أصبحت المادة (تتقدّم) من خلال مرجعية مادية متحرّرة من كل قيد (معنوي)،غير مادي مفارق للمادة ومتجاوز للطبيعة.

ولنا أن نرى الصورة بأسلوب آخر فليس صحيحاً أن الحضارة الغربية بلا مقدّس، بل هي بلا ضمير مقدّس، فنزع القداسة عن الدِّين والضمير والأخلاق ، أو بمعنى آخر تنحية هذه التكوينات المعنوية كان – وما زال- يعني أنّ القداسة تمّ سحبها من مجال المثال المتجاوز للمادة إلى المادة نفسها، فالحاصل أنّ الّلذة أصبحت مفهوماً مقدّساً، وكذلك مجتمع الوفرة والرفاهية والاستهلاك ، وكل هذه المنظومة المادية . لذلك فالعقل الحرّ يمارس حرّيته من خلال اعترافه الضمني بقداسة الرؤية المادية ، فأصبح حرّاً من الضمير ، وأسيراً للرؤية المادية ، لذلك فإن أيّ تفكير ينزع القداسة عن المادة ، يعتبر تفكيراً ظلامياً وخارج العصر" ( رفيق حبيب، المقدّس والحرّية،ص 10- 11، 1418هـ- 1998م، الطبعة الأولى، القاهرة وبيروت: دار الشروق).

ويتابع:" بهذا المعنى نرى أن لكل حضارة مرجعية مقدّسة، لا يمكن المساس بها. وهذه المرجعية قد تكون مستمدة من الضمير والقيم والدّين، أي متجاوزة لعالم العمادة، وقد تكون ملتصقة بالمادة ونابعة منها. لهذا فروح العصر تقدّس المادة، عندما جعلت العقل مرجع نفسه، والإنسان مركز الكون، ثمّ تحولّت القداسة شيئاً فشيئاً فيما يسمّى بعد الحداثة. فأصبحت القداسة للمادة التي أصبحت مركز الكون. تلك الرؤيا السائدة لدى الحضارة الغربية، هي ما يتمّ زرعه في أوساط العرب والمسلمين، منذ قرنين من الزمان تقريباً. ومع نهاية القرن العشرين أصبحت هذه الرؤية سافرة على أمّة الوسط ، في محاولة لزرع قداسة العقل والإنسان والمادة، في مواجهة قداسة الأخلاق والقيم والدّين"( المرجع السابق، ص 11).

ويوجز رفيق حبيب رأيه في هذا بقوله:" وحتى نحرّر المسألة؛ نؤكّد ما وصلنا إليه سابقا، من أن العلمانية هي نزع القداسة عن الدّين، أي عن المقدَّس، وجعل المادي والدنيوي وغير المقدّس مقدَّساً ضمنياً. وما أردنا تأكيده أن أيّ حضارة تبدأ ببديهيات لا تقبل الجدل ومسلّمات يفترض صحتها ولا يتم التشكيك فيها، وهذه النقاط المرجعية هي المقدّس، حتى وإن كانت أفكراً مادية وغير إنسانية. وبالتالي نتصوّر أنّ المقدّس ضرورة، لأنه الغاية النهائية الكامنة في أيّ رؤية ، والتي تحدّد تمسك الرؤية واستمرارها وقدرتها على إعادة إنتاج أفعالها ... من هنا نؤكِّد ضرورة المقدّس، وعليه يجب أن نحدّد موقفنا لابين الارتكان للمقدّس من عدمه بل بين أن يكون المقدّس هو الضمير أو يكون العقل الحرّ النفعي. فالتصوّر العلماني يفرض علينا مقدّسات، تحت شعارات تنادي بتحرير العقل من قيود المقدّسات.

وبالتالي فما نواجهه اليوم هو صراع بين مقدّس وآخر، أي بين قبول الرؤية المادية كمقدّس، أو إعادة إفعال مقدساتنا، والتي تنتمي للضمير والدّين والأخلاق . فالاختيار بين تقديس المادة، وتقديس المعنى. وفي النهاية فالقداسة ضرورة والاختيار بالتالي حتمي" ( المرجع نفسه، ص 12-13).

وحاصل القول: إنّه إذا كان دين الإسلام يمنح كل من يعيش في كنف حضارته حرية فردية وجماعية قلّ نظيرها، بشهادة بعض رموز الديانة المسيحية ( راجع: القرضاوي: بيّنات الحل الإسلامي،ص 231- 247 )؛ فإن الدين الجديد (العلمانية) ليس بأكثر من قهر لأغلبية المجتمع، وإقصاء للمخالف من داخل الدائرة، وسقوط في شرك الازدواجية فجّة في المعايير، على حين يتم استعارة خرقاء لمقدّس الآخر المهيمن ونموذجه ومعاييره، كي تصبح وحدها المطلق والنهائي والقول الفصل !!

ألا ترى أن بعض العلمانيين يدّعي لعلمانيته أو اتجاهه الفكري أو الأيديولوجي (قداسة) من نوع ما قد تكون أبلغ من قداسة السماء، ولا تختلف في شيء عن قداسة غلاة المتدينين وتطرّفهم؟ وإلا ففسّر لي ظاهرة الاحتراب المسلّح بين الفئات العلمانية في أكثر من قطر، ولعلك تذكر – على سبيل المثال- أن الحركات القومية واليسارية في عالمنا العربي – على سبيل المثال- علمانية ( لا نزاع في ذلك)، وقد حدث بينها من الاقتتال تحت عناوينها (المقدّسة الخاصة)( القومية- العروبة - الوحدة- - الاشتراكية- الدفاع عن الطبقات الكادحة- العدالة الاجتماعية- الوطن- العروبة...إلخ) ضد قائمة الشرّ المطلقة ( الرجعية- الأصولية- القوى المتطرفة الإسلاموية- حركات الإسلام السياسي ...إلخ)، وفي سبيل القضاء عليها استباحت كل محرّم كتدنيس قداسة الدّين، أو انتهاك العرض والشرف والكرامة، أو التفريط بالسيادة، والتبعية لهذه القوة المهيمنة أو تلك، وهل الصراع الداخلي الشهير يبن جناحي حزب البعث في العراق وسوريا طيلة العقود الماضية، أو صراع المجموعات الماركسية المسلّحة التي كانت تحكم جنوب اليمن، وما عرف بمحرقة 13 يناير عام 1986م، إلى حدّ أن بلغت درجة التصفية على الهويّة – على سبيل المثال-، عدا الصراع الشهير بين البعثيين والشيوعيين في العراق أو سوريا أو مصر، إلا أمثلة محدودة من أمثلة عدّة، لكن كأني بآخرين ممن يشايعون مقولة (الحلّ العلماني) سيقولون: سلّمنا بأن البلاد ذات الأغلبية المسلمة المتجانسة لاتستدعي العلمانية فكيف بالبلدان ذات الإثنيات والطوائف الدينية والعرقية المختلفة الكبرى كلبنان أو العراق، أو حتى الهند أو نحوها، هل يمكن النزاع بأن العلمانية هي الدواء الناجع والحل الحتمي في مجتمعات مختلفة كهذه؟! وأجدني من منطلق العقل والشرع والواقع أنازع في ذلك جدّا، بل أرى أن ذلك إنما يؤيّد وجهة النظر الأخرى القائلة إن العلمانية في المجتمعات الإسلامية كارثة مجتمعية محقّقة، وفي غير الإسلامية لا تمثّل حلّاً كاملاً، بدليل جملة من الوقائع التي أكّدت ذلك، وسأشير إلى طرف يسير منها لاحقاً، ولكن قبل ذلك دعنا نناقش النموذج العلماني الفاقد لروحه التي يزعم أنها سرّ بقائه وتفوّقه وهي (الديمقراطية)، على حين أنه لايعلن اعترافه بخطيئة دعواه، حين يجد نقيض ذلك على الأرض، في غير ما تجربة، بل يمضي ليقدّم تبريرات (متهافتة)، تشعرك بأن العقل والأخلاق معاً غير معتبرين في مقاييس النماذج العلمانية، بل المصالح وحدها، حتى لو كانت ظالمة فاشية قاتلة للديمقراطية (المفترى عليها)، وذلك هو الانعكاس العملي للفلسفة التربوية البراجماتية في أبشع صورها، وهو ما سأناقشه –معك- في الحلقة القادمة بإذن الله- !

المصدر: صحيفة الناس

أ.د. أحمد محمّد الدَّغَشِي- أستاذ أصول التربية وفلسفتها - كلية التربية – جامعة